الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانمن قضايا العصر … زواج المسيــــــار بين الموقف الفقهي ونظرة المجتمع
wedding-rings-gold-wedding-rings-when-you-purchase-your-own-bands-wedding-ceremony-arrangements-are-often-nicely-underway-purchasing-your-gold-wedding-bands-is-a-crucial-action

من قضايا العصر … زواج المسيــــــار بين الموقف الفقهي ونظرة المجتمع

 

هذه السلسلة يكتبها أعضاء الهيئة العليا للمجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء

استجدت في حياتنا مسائل غاية في التعقيد، لاسيما تلك التي تتعلق بالأحوال الشخصية، ولعظيم مكانة الأسرة في المجتمع أولى العلماء اهتماما متزايدا في تحرير هذه المستجدات وبيان الحكم الشرعي والضوابط المتعلقة بها بما يحقق مقاصد الشريعة، ومن المستجدات ما اطلق عليه زواج المسيار.

والمسيار كزواج يعني أن يعقد الرجل زواجه على إمرأة عقداً شرعيّاً مستوفي الأركان والشروط، لكن تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها كالسكن أو النفقة أو المبيت، ويجمل الفقهاء المعاصرون الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الزواج بالآتي:

1. ازدياد العنوسة في صفوف النساء بسبب انصراف الشباب عن الزواج لغلاء المهور وتكاليف الزواج، أو بسبب كثرة الطلاق والترمل، فلمثل هذه الأحوال ترضى بعض النساء بأن تكون زوجة ثانية وتتنازل عن بعض حقوقها.

2. احتياج بعض النساء للبقاء في بيوت أهاليهن إما لكونها الراعية الوحيدة لبعض أهلها، أو لكونها مصابة بإعاقة ولا يرغب أهلها بتحميل زوجها ما لا يطيق، ويبقى على اتصال معها دون ملل أو تكلف، أو لكونها ذات أولاد، ولا تستطيع الانتقال بهم إلى بيت زوجها ونحوها.

3.  رغبة بعض الرجال من المتزوجين في إعفاف بعض النساء لحاجتهن لذلك أو لحاجته، من دون أن يؤثر ذلك على بيته الأول وأولاده.

4.  رغبة الزوج أحياناً في عدم إظهار زواجه الثاني أمام زوجته الأولى لخشيته مما يترتب على ذلك من فساد العشرة بينهما، وبسبب رفض كثير من النساء لفكرة التعدد.

5. كثرة سفر الرجل إلى بلد معين ومكثه فيه لمدد متطاولة، ولا شك أن بقاءه فيه مع زوجة أحفظ لنفسه من عدمه.

6. عدم رغبة الرجال بتحمل المزيد من الاعباء، بفتح بيت آخر.

صور سابقة تشابه هذا الزواج:

يقول د. يوسف القرضاوي: “إن زواج المسيار – كما يسمى – ليس شيئاً جديداً، إنما هو أمر عرفه الناس من قديم، وهو الزواج الذي يذهب فيه الرجل إلى بيت المرأة، ولا تنتقل المرأة إلى بيت الرجل”، وقال عنه د.إبراهيم الخضري: “إنه معروف قديماً في المملكة العربية السعودية، وظهر في منطقة القصيم ثم انتشر بالمنطقة الوسطى، ويسمونه في منطقة نجد (الضحوية) بمعنى أن الرجل يتزوج المرأة، ولا يأتي إليها إلا ضحى، وهذا منذ خمسين سنة تقريباً”.

وقد جاء في كتب الفقه عن زواج مماثل لزواج المسيار سمي بـ(النهاريات) وهو: “أن يشترط أحد الزوجين أن تكون علاقة الزواج بزوجته في النهار، حرصاً على مبيته عند زوجته الأولى بالليل، وهذه الصفة لزواج النهاريات تجعله قريباً جداً من زواج المسيار”.

آراء العلماء

اختلف أهل العلم في حكم هذا النوع من الزواج إلى أقوال، فمن قائل بالإباحة إلى الإباحة مع الكراهة إلى المنع منه، ومنهم من توقف عن إعطاء حكم له.

القائلون بالإباحة

من أبرز من قال بإباحته هو الشيخ عبد العزيز بن باز، ود. يوسف القرضاوي، وشيخ الأزهر محمد سيد الطنطاوي، ود.علي جمعة.

وابرز أدلتهم:

– الأصل في العقود الشرعية ومنها الزواج هو الإباحة، فكل عقد استوفى أركانه وشرائطه الشرعية كان صحيحاً ومباحاً، ما لم يتخذ جسراً أو ذريعة إلى الحرام، وهذا النكاح مستكمل لشروطه وأركانه، وما كان كذلك كان صحيحا  ومباحا.

– ثبت في السنة ان ام المؤمنين سودة (رضي الله عنها) وهبت يومها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، قالت: يا رسول الله! قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة، رواه البخاري ومسلم.

ووجه الاستدلال بالحديث أن سودة بهبتها يومها لعائشة وقبول الرسول (صلى الله عليه وسلم) بذلك ما يدل على أن من حق الزوجة أن تسقط حقها الذي جعله الشارع لها، كالمبيت والنفقة.

– ما يحققه من مصالح كثيرة معتبرة، فهو يشبع غريزة الفطرة عند المرأة، وفيه اعفافها، وهو مطلب فطري واجتماعي وإنساني، فإذا أمكن لرجل أن يسهم في ذلك كان مقصده مشروعاً وعمله مأجوراً.

– وجود أنواع من الزواج مشابهة لهذا النوع من الزواج، كزواج النهاريات وزواج الليليات، وصورته أن يتزوج رجل من امرأة تعمل خارج منزلها في الليل، وترجع إلى زوجها في النهار، أو تعمل في النهار وترجع إلى المنزل الذي فيه زوجها، عن يونس عن الحسن (البصري) وعطاء أنهما لا يريان بتزويج النهاريات بأسا، وكان ابن سيرين وحماد يكرهان ذلك، سنن سعيد بن منصور، ومصنف ابن ابي شيبة.

وممن كره تزويج النهاريات ابن شبرمة، وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها على أن يجعل لها في الشهر أياما معلومة، ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط، المغني لابن قدامة، وقال الأوزاعي: “لا يفسخ نكاحه، وهو جائز عليها، وشرطه ما لم يتزوج عليها ضرة، فإذا تزوج عليها فعليه أن يعدل”، الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر.

ويرى بعض أهل العلم إباحته وإن اختلفوا في لزوم النفقة فيه: قال ابن الهمام (شرح فتح القدير: “وَلَا بَأْسَ بِتَزَوُّجِ النَّهَارِيَّاتِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ”، وفي حاشية ابن عابدين: “إنه لو تزوج من المحترفات التي تكون في النهار في مصالحها وبالليل عنده فلا نفقة لها”.

القائلون بمنعه

أبرز من قال بالمنع منه بالكلية الشيخ ناصر الدين الألباني، ود. علي القره داغي، ود.إبراهيم الدبو ود.عمر الاشقر، ود.محمد الزحيلي، ود.عبد الله الجبوري.

واستدلوا على ذلك:

– أن هذا الزواج يتنافى ومقاصد الزواج، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، سورة الروم: الآية (21)، فليس من مقصود الزواج في الاسلام قضاء الوطر الجنسي، بل الغرض أسمى من ذلك، وقد شرع لمعان ومقاصد اجتماعية ونفسية ودينية، وزواج المسيار لا يحقق شيئا من هذه المقاصد الزواج الشرعية، من المودة والرحمة والسكن، وحفظ النوع الإنساني، وتعهده على أكمل وجه، ورعاية الحقوق والواجبات التي يولدها عقد الزواج الصحيح.

– إن هذا الزواج فيه استهانة بعقد الزواج الذي جاءت به الشريعة الاسلامية، وعندما ندقق النظر فيه لا نجده موافقا للنظام الشرعي في الزواج، وإن الفقهاء القدامى لم يتطرقوا إلى هذا النوع في عقود الزواج.

– إن عقد زواج المسيار يتم بالسر في الغالب، وهذا يحمل من المساوئ ما يكفي لمنعه، فقد يتخذ ذريعة إلى الفساد، بمعنى أنه ممكن أن يتخذه أصحاب المآرب شعارا لهم، فتقول المرأة أن هذا الرجل الذي يطرق الباب هو زوجي مسيار وهو ليس كذلك. وسد هذا الباب يعتبر من أصول الدين.

– إنّ العبرة بالعقود المقاصد والمعاني، لا الالفاظ والمباني، وإن من مقاصد الشريعة في عقود الزواج تتمثل في تكوين أسرة مستقرة، وعقد زواج المسيار لا يحقق هذا المقصد بل يخالفه.

– في هذا النوع من الزواج استغلال من الرجل للمرأة، فهو يلبي رغباته الجنسية لا هدف له الا ذلك، من غير أن يتكلف شيئا في هذا الزواج.

– إنّ هذا الزواج يترتب عليه الإثم بالنسبة للزوج لوقوع الضرر على الزوجة الأولى، لأنه سيذهب إلى الزوجة الثانية دون علمها وسيقضي وقتاً ويعاشر هذه الزوجة على حساب وقت وحق الزوجة الأولى في المعاشرة.

الترجيح: قبل الترجيح نبين الآتي:

– لم يقل أحد من أهل العلم ببطلانه أو عدم صحته، بل منعوا منه لما يترتب عليه من مفاسد تتعلق بالمرأة من حيث إنه مهين لها، أو بالمجتمع من حيث استغلال هذا العقد من قبل أهل السوء بادعاء أن عشيقها هو زوجها، ومن تعلقه بالأبناء حيث سيكون تضييع لهم ولتربيتهم بسبب غياب الأب.

–  توقف بعض العلماء عن إعطاء حكم له مثل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ود.عبد الحق حميش، وهذا يدل على أن حكمه لم يظهر لهم، فهم يحتاجون إلى مزيد من النظر والتأمل، أو أن بعض الناس تجاوزا فيه الحد، واستغل من قبل بعض ضعاف النفوس، وتبنته مكاتب حددت اسعاراً لهذا الزواج (يعني عمولة).

– من قال بإباحة هذا الزواج لم يقل بتوقيته بزمان محدد مشابهة للمتعة، ولم يقل بجوازه من غير ولي؛ ولم يقل بجواز انعقاده من غير شهود أو إعلان، بل لا بدَّ من أحدهما.

– إنّ هذه المسألة إجتهادية اختلف فيها منذ القرن الأول بين مجوز وكاره له.

– أصدر المجمع الفقهي الإسلامي في عام 2006، قراره في هذا النوع من الزواج، ونصه: (إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقسم أو بعض منها، وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار، ويتناول ذلك أيضا: إبرام عقد زواج على أن تظل الفتاة في بيت أهلها، ثم يلتقيان متى رغبا في بيت أهلها أو في أي مكان آخر، حيث لا يتوافر سكن لهما ولا نفقة، هذان العقدان وأمثالهما صحيحان إذا توافرت فيهما أركان الزواج وشروطه وخلوه من الموانع، ولكن ذلك خلاف الأولى).

وعلى ضوء ذلك، ولمكانة الفتوى الجماعية التي تصدر عن المجامع الفقهية، ولاعتبار بعض مقاصده نرى ترجيح قول القائلين أن الأصل إباحة زواج المسيار، مع التأكيد على توثيقه، وعلى من ينظمه أن يراعي أحوال الطرفين وحالة المجتمع، لاجتناب المفاسد التي قد تترتب عليه، وهذا ما التفت إليه من رأى كراهيته.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى