الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدمنوعاتنبض العراققصة قصيرة .. قصة رثاء.. رحلة إلى الخلود
34rtyh

قصة قصيرة .. قصة رثاء.. رحلة إلى الخلود

 

في خريف أيامه رأى دنياه كمحطة عبور سريعة، الدخول – والمغادرة كصرامة قوانين الفيزياء التي رافقته دوماً.. لكن سكينة توسدته كان أحد أولاده الذكور الثمانية يرفع الآذان، فقال رغم وطأة الوجع:- – وما يريد المرأ أكثر من ذلك.

عندما التقيته للمرة الأولى أثارتني لهجته المميزة للعشائر الساكنة غرب الوطن -الواو- يجمل حروفه، وهو يقص إحدى ذكرياته ببريطانيا حيث تناقش وطالب شيوعي بالإيمان حتى وصلا لطريق مسدود، فقال بابتسامة: من أين جاءت أذن فكرة الخلود؟.. هل ابتكرت من العدم.. برأيك !؟).

كان يعيش يومها فترة نقاهة بعد ثلاثة اعتقالات متتالية بفعل وشايات مغرضة عند المحتل الأميركي، الأولى استمرت لثمانية أشهر، الثانية لشهر، مفارقة الثالثة إنها حدثت بعد أيام ثلاثة.

وبدت من همجيتها أن تحسست عائلته عدم رؤيته مجدداً، لكن باليوم السابع والعشرون، كان والده التاجر القديم -سعيد الراوي- يتناول غداءه -مرقة دجاج- حينما قال لزوجة أبنه الصغرى -أم عبد الله-:- – تركت نصف الدجاجة ليتعشى بها الدكتور.

وبدا للزوجة بتلكم الظهيرة بأنه يعاني وطأة غيابه، ومع اكتساء الأفق بالعتمة تناهت طرقاته، كان محني الظهر، وثوبه متسخ ببقع العرق، قال بصوت منهك: متعب.. وجائع.

كان ذا طول متوسط وجسم ممتلئ ووجه بشوش ببشرة بيضاء صافيه ولحية مخضبة الشيب، عيناه الصفراويتان عميقتان وحادتان.

أطلعته يومها على بعض محاولاتي القصصية، فقرأها بلحظة تأمل عميقة، استخرج منها خطأ بتركيبة الأحداث وأخرى نحوية.

أعارني كتيب بالتاريخ الإسلامي، وأخبرني بأنه كان يود إعارتي أحد مؤلفاته بالإعجاز القرآني، ولكن قضاياها الفيزيائية معقدة، وسألني: ما هو استقراءك للوضع..؟. فكرت بداخلي بأنه يختبرني، فقلت: لا زلنا بحاجة لتعلم التعايش مع تناقضاتنا.

حينما ودعته تأسفت كوني لم أتعرف عليه منذ زمناً طويل، حتى كان يوم زيارتنا ووالدي لمنزله، وقد انتشلتني بساطته من خجلي وتوتري.

ونحن بطريقنا للمحكمة بصحبة كريمته قال لوالدي بكثير من الإباء: (زوجتي أم -عبد الله- طلبت مني حلق لحيتي لتجنبني المشاكل فأجبتها لن يكون ولو قطعوا رأسي بمنجل)، رد والدي بضحكة: لا بأس عليك دكتور.. لكن صلابته كانت من الضعف وهو يودع كريمته بدموع عجزت عيناه دون تدفقهما ليهرب بهما خجلاً.

في ظهيرة ما شرح لي فكرة وليدة تراوده -جهاز يستخلص الماء من هواء الصحراء- ولم أفهم تلك الرموز الفيزيائية حتى طالعتها منسوبة تحت أسمه الأكاديمي.

قبل عام من محنته، وكان يود مناكفتي، فقال: (لا تزعل أجد تخصصك بالفلسفة غير مجدي)، فأحببت مجاراته، وأعطيته أحجية فلسفية، فقال بشيء من المبالاة: (تعمدت حشر مجاهل عديدة فيها).

يوم مرضه توجهت وكريمته لعيادته واستقبلنا بالطريق ليقلل قلقنا، وحدثنا بكثير من اللامبالاة بتفاصيل مرضه الموجع، بل أن روحه المرحة كانت حاضرة وهو يلقي واحدة من نكاته، ويضحك عليها أكثر من أيٍ منا.

حينما أثقل المرض بجسده، قلت أشجعه: (ملامحك تبشر بخير دكتور)، فقال بوجوم: (هذه قشور زائفة)، تألمت أني كنت ممثلاً فاشل بهذا القدر.

قبل يومين من رحيله، وكأنه أمام بساط أحمر وصوت مهيب يحيه: (مرحباً بالعبد بالصالح)، عندما استفاق من رؤاه، قال: (حلمت بالرسول).

بعد وفاته شاهدته عبر فضائية -صلاح الدين الفضائية- يقدم حلقة بالإعجاز العلمي للقرآن، شعرتُ به حياً أكثر من أي وقت مضى، وتذكرته يقرأ قصيدة غزل من تأليفه، سألته مبتسماً: (دكتور هذا على أي من زوجاتك الثلاث). كان على قسمات وجهه اطمئنان عجيب، فقال: (هذه ستكون في الجنة).

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى