الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانإطلالة فكرية .. الديمقراطية تشابه واختلاف
ملف الرائد

إطلالة فكرية .. الديمقراطية تشابه واختلاف

 

لقد بقيت فكرة الديمقراطية الغربية تشعر جمهور الأمة أن فيها الحل للمشكلات التي تعانيها، خصوصا وأنها تعاني من استبداد يعرفه القاصي والداني، فجاءت الأحزاب على اختلاف توجهاتها رافعة هذا الشعار الخلاب، حتى رفعه الإسلاميون أيضاً كبند من بنود برنامجهم الإسلامي في الحكم والإدارة.

هنا وقف الإسلاميون تجاه مفهوم الديمقراطية في ثلاثة مواقف:

الأول: موقف يرى بأن الديمقراطية شكلاً ومضموناً كفر بواح، لأنها تستبعد الدين عموماً والشريعة الإسلامية خصوصاً في التشريع، وأن الشعب هو مصدر السلطات، والمتساهل منهم يرى أنها على الأقل من التقليد لأهل الكفر المنهي عنه في الشرع.

الصنف الثاني: يرى بأن الديمقراطية الغربية شكلاً ومضمونا أهدافاً وآليات إجمالاً وتفصيلاً مناسبة لواقع العرب والمسلمين، وهي السبب الوحيد لنهوضهم وتقدمهم.

الصنف الثالث: الرأي الوسط، فهو يرى الديمقراطية تتفق من حيث المضمون مع كثير من المبادئ الإسلامية كالشورى وحرية الاختيار والتعبير، لكن ليس بالضرورة التمسك بالشكل وإنما نستطيع ابتداع أشكال متعددة بما يلاءم الواقع الإسلامي.

وربما كان هذا الصنف أقرب إلى فهم روح النصوص ومقاصدها وفهم مقتضيات العصر أكثر من غيره.

لكني مع كل ما ذكرت وما سردته من استعراض تاريخي وواقعي للديمقراطية، فإني أحب تسجيل جملة من النظرات حولها، أرى من الضرورة بمكان الأخذ بها ممن تصدى للعمل الإسلامي وحمل رسالة النهوض بواقع الأمة:

1ـ إذا جئنا إلى مفهوم الديمقراطية من حيث المبدأ والفكرة والمضمون، فإن جوهرها هو عدم الاستبداد الفردي، ومحاصرة أي شكل من أشكال الدكتاتورية المدمرة  للأنظمة والمجتمعات، وسبيل الحماية في ذلك جهاز شوري رقابي برلماني يحاسب الحكام والوزراء (السلطة التنفيذية) ويحفظ استقامتهم على العمل وفق مصالح الأمة والدولة، وأي انحراف فان القضاء سيأخذ دوره من غير تأثير عليه من سلطة ونفوذ.

ومن هنا نشأت فكرة الفصل بين السلطات فان المشرّع والرقيب (السلطة التشريعية) لن يأخذ دوره وهو واقع تحت تأثير ضغوطات السلطة التنفيذية والقضائية.

والحقيقة أن الإسلام ومبادئه ومقاصده لا يتنافى مع جوهر الديمقراطية في هذه النقطة، فإن قيم العدل والمساواة والشورى واستقلالية التشريع والقضاء وتمكين السلطة التنفيذية والحفاظ على هيبتها جوهر لمبادئ ومقاصد الإسلام وهدف من أهدافه.

هذا من حيث الجوهر والمضمون.

أما من حيث الشكل فإن من رحمة الإسلام أن جعل قواعد كلية لنظام الحكم والإدارة، بعيدا عن التفاصيل كي يحافظ على خصيصة الخلود، وهو بقواعده الكلية الجامعة يستوعب كل جزئية وتفصيلة إلى يوم القيامة.

فقول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الشورى 38، قاعدة كلية جامعة تستوعب كل أشكال الشورى ما دام الاستبداد ليس حاضراً وحرية الاختيار مكفولة.

فإذا قنّنا الفصل بين السلطات كما هو معهود الآن في الأعراف الديمقراطية العالمية، أو وسّعنا من هذا الفصل أو ضيّقنا فيه فإن الأمر فيه سعة، وكل ذلك يدخل ضمن الشكل الخاضع للاجتهاد ومن لدن أهل الاجتهاد.

2ـ إن الدعوة للديمقراطية لا تعني أبداً جعل الشعب هو مصدر السلطات والتشريع بعيداً عن أحكام الشرع الإسلامي، بل إنه من صميم الدعوة إلى الحكم الإسلامي وتبني الديمقراطية فكراً وممارسة جعل الشرع الإسلامي مصدر التشريع الرئيسي والأوحد فيما كان فيه نص أو إجماع أو من المصالح الكلية المعتبرة بالشرع.

وما عدا ذلك من مصالح مرسلة مما تقتضيه أنشطة الحياة المختلفة، وطبيعة الحياة المدنية المعاصرة المتجددة، فإن الجهة التشريعية تأخذ دورها في مراعاتها باعتبارها دليلاً من أدلة الأحكام الشرعية، وهو دليل قابل لاستيعاب كل مصلحة ودرء كل مفسدة عن الحياة.

وقد سميت المصلحة المرسلة مرسلة لأن النصوص لم تأتِ بخصوصها واعتبارها وإنما من جنسها، أما القواعد الشرعية الكلية فهي تقضي بها، فهي معتبرة من هذه الناحية.

إن ردة الفعل والتعجل في عدم فهم الأمور على حقيقتها، والنفور من المصطلح دون التحقق من المضمون، جعل الكثير يظن بنظر سطحي متعجل إلى الديمقراطية باعتبارها كفراً بواحاً واستبدالاً لشريعة الله بشريعة العباد وفق رغباتهم وأمزجتهم.

إن من يدعو إلى الديمقراطية فإنه يدعو إليها من حيث المبدأ لا من حيث الممارسة والتفاصيل، باعتبار أن مصطلح الديمقراطية أخذ مساحته العالمية من التداول بين النخب والجماهير على سواء، فالتعبير بها تعبير عن إبداء حسن النية تجاه قيم أصبح المجتمع الدولي والإنساني يعترف بها، ويدعو إليها، ويشرّع لها القوانين مثل قيم العدل والتحرر وحقوق الإنسان، ونبذ كل أشكال العبودية وحرية التعبير والاختيار، وضمان حقوق الإنسان في الصحة والتعليم والانتماء والمواطنة والتدين، وغيرها من القيم التي يقر الإسلام جملتها، إلاّ في بعض التفاصيل المنافية للشرع إذ هي مرفوضة على كل حال، وأن الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها أخذها.

3ـ ربما كان من سنّة الحياة أن الأقوى هو الذي يفرض المصطلحات على الأضعف، خصوصاً إذا كان الأضعف يعاني من حالة ركود ثقافي وعقم حضاري وانبهار بالآخر الأقوى.

فمع إقرارنا بفكرة ومبدأ الديمقراطية باعتبار عدم منافاتها للشرع من حيث الجملة، وقبولنا بالمصطلح بشكل عام، إلاّ إنني أدعو إلى تفعيل مصطلح الشورى في الساحة الثقافية والإعلامية والسياسية، العربية والإسلامية، ومحاولة عولمته وتدويله، إذ هو المصطلح الشرعي القرآني النبوي، المرتبط بمفاهيم وأنشطة وممارسات في أيام النبوة والخلافة الراشدة، وفي كثير من الحقب بعدها حيث أخذ مصطلح الشورى دوره العملي -ولو بشكل نسبي- في التاريخ السياسي الإسلامي.

إن مصطلح الشورى يحظى بقبول الجميع، وينفي كل الإشكاليات التي قد تنشأ عند بعض المتدينين والمثقفين ممن تستفزهم المصطلحات على حساب المضامين والحقائق، وهذا على مستوى الداخل.

أما على مستوى الخارج، فان في تعميم هذا المصطلح -على صعوبة هذا التعميم- يحمل الاعتزاز بأن القيم التي تضمنها مصطلح الديمقراطية قد تضمنها مصطلح الشورى بصورة أعمق وأكمل وأشمل.

إنها شورى لم تتحقق بسفك دماء وحروب أهلية وظلامات قرون متطاولة وكيل بمكيالين، مع استعمار وظلم للآخر وأنانية ونفوذ رأس المال كما هو الحال في الديمقراطية الغربية.

إنها شورى أفرزت حضارة وقيماً وأخلاقاً كانت تحكم آلياتها التنفيذية، وربما كان من الإيجابيات في هذا الصدد تسمية بعض البرلمانات العربية -على شكليتها- بمجالس الشورى.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى