الرائد نت
FLAG-#green

مع ورثة الأنبياء

 

ذكرنا في المقال السابق في باب (مع ورثة الأنبياء) أن باب الجهاد يعد من اكبر الأبواب التي يتجلى فيها الجانب المصلحي، وتكثر فيه حالات التعارض وعمليات الموازنة الأخطر -في اعتقادي- من حيث أن الأمر في هذا الباب يتعلق بمصير شعوب وأرواح، ودفع عدو أو تمكينه، وعلو أمة أو نزولها، وعلاقته بالنفس والسياسة والمجتمع والاقتصاد والوضع المحلي والإقليمي والدولي.

كما ذكرنا الأصناف الثلاثة حياله، وأنه لو تصفحنا أبواب الجهاد في الكتب الفقهية  لوجدنا أنه لم يحدث خلاف أبداً في قطعية فريضة الجهاد ثبوتاً ودلالة، والإجماع حاصل على هذا، لكن الخلاف كان على الدوام في متى وكيف وأين، وذكرنا الأمثلة على ذلك وآخرها مثال الحديبية وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) رفض أن يدخل في الحديبية إلى مكة قتالاً وعنوة كما أراد معظم الصحابة الكرام، واختار الكيفية المناسبة بعد سنتين ففتح مكة سلماً وأسلم أهلها.

ونريد أن نركز على مثال الحديبية فنقول إن كل ما حصل قد خضع للموازنات المصلحية من قبل النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يتضح وجه هذه الموازنة لكثير من الصحابة، إذ رأوا الأمر من بعد واحد دون بقية الأبعاد، فقد تحصل من هذا الصلح مصالح جمة لعل من أهمها:

1ـ الاعتراف به ككيان سياسي مكافئ ومناظر في الجزيرة العربية وأمام قريش.

2ـ كسب وقت أكبر من الهدوء لفسح المجال أمام الدعوة للقبائل للدخول في الإسلام.

3ـ الدخول سلماً دون سفك الدماء التي كان من الممكن أن تثير غضبة العرب بحجة انتهاك المسجد الحرام، إضافةً إلى عدم كسب إسلام أهلها.

4ـ إقامة التحالفات مع القبائل ولو كانت مشركة خزاعة- لاستكمال عملية التطويق.

5ـ تهيئة الجو النفسي من اجل دخول مكة بعد أن أصبح النبي (صلى الله عليه وسلام) أكبر قوة في الجزيرة، وذلك بان قريش هي التي نقضت العهد لا هو.

6ـ فتح النبي (صلى الله عليه وسلم) مكة بعشرة آلاف مقاتل، بعد أن كانوا ألفاً وأربعمائة في صلح الحديبية.

هذه بعض المصالح التي استحقت التنازل والقبول بالمفاسد الكبيرة التي تضمنتها شروط الصلح، وقد أدرك سيدنا عمر (رضي الله عنه) هذه المصالح بعد ذلك وقد كان من المعترضين.

ومن هنا انطلق الفقهاء بالقول: أن الجهاد تجري عليه الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة.

ومناط تنزيل هذه الأحكام هو تحقق المصلحة والمفسدة، ففي الوجوب مثلاً قالوا: إن الجهاد يجب حين تتحقق المصلحة بحفظ كيان الأمة والدفاع عن الدين والنفس والعرض كما حاول البعض من الصحابة إقناع النبي(صلى الله عليه وسلم) بالاكتفاء بغنائم القافلة وعدم المواجهة العسكرية (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) سورة الأنفال: الآية (7)، لكن المصلحة اقتضت في المواجهة مع احتمال المفسدة (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) سورة الأنفال: الآية (7).

ويكون الجهاد حراماً إذا كان ضرره أكبر من نفعه، وبهذا تصرف خالد (رضي الله عنه) مثلاً في مؤتة، إذ إنه لو واصل القتال لأبيد جيش المسلمين عن آخره، وفي ذلك من المفسدة ما فيه، فقرر الانسحاب وتحققت مصلحة حفظ الجيش.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى