الرائد نت
عين على العالممجلة الرائدالصراع على القرم يعيد المواجهة الروسية الأميركية من جديد
obama_putin_ukraine

الصراع على القرم يعيد المواجهة الروسية الأميركية من جديد

 

أستاذ التاريخ الحديث في جامعة القاهرة د. عاصم الدسوقي:

الحرب الباردة مستمرة والمنطقة العربية محورها

مرت العلاقات الأميركية الروسية بالعديد من محطات المد والجزر على مدار تاريخ البلدين، بدءاً بالتحالف السياسي والعسكري، مرورا بالعداء المسلح، وصولا إلى ما يسمى بالحرب الباردة، وفي الآونة الأخيرة، فرضت بعض الأزمات في منطقة الشرق الأوسط نفسها على ساحة الصراع بين موسكو وواشنطن، لتحرك المياه الراكدة منذ فترات طويلة، حيث فجًرت أزمتا سوريا وأوكرانيا من جديد الصراع بين البلدين، وأعادت إلى الأذهان تأجج الصراع الأميركي الروسي عقب الحرب العالمية الثانية 1945 وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991.

فهل أصبح العالم على مشارف حلقة جديدة من حلقات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا؟ وما هي انعكاسات هذا الصراع على منطقة الشرق الأوسط والدول العربية؟ هذا ما سيتم التعرف عليه خلال هذا اللقاء مع د.عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة ومعهد البحوث والدراسات العربية.

الرائد: هل لك أن تعطينا نبذة عن تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا؟

الدسوقي: يعود تاريخ العلاقات الروسية الأميركية إلى أواسط القرن السابع عشر من خلال التجارة، وكان أول اتصال روسي – أميركي في عام 1698 حين التقى القيصر بطرس الأكبر مع وليام بين مؤسس مستوطنة ” بنسلفانيا” البريطانية في أميركا وقتها، وتناقش الطرفان فكرة نظام الدولة العادل، وفي الواقع بذلت روسيا جهودا حثيثة حتى تكسب الولايات المتحدة الاستقلال، وذلك حين رفضت تقديم المعونة العسكرية إلى بريطانيا من اجل إخماد الانتفاضة التي اندلعت في عام 1775 في 13 مستعمرة بريطانية في أميركا وأعلنت روسيا حيادها لاحقا.

وفي عام 1917 ردت أميركا الجميل إلى روسيا، حيث رفضت الاعتراف بحكومة البلاشفة التي استولت على السلطة في روسيا في أعقاب ثورة 1917 وقدمت الدعم إلى الجيش الأبيض الذي حارب السلطة الجديدة بتزويده بالمال والمواد الغذائية، وخلال عامي 1918–1920 شاركت القوات الأميركية سويا مع قوات بريطانيا وفرنسا واليابان في التدخل العسكري في شرق وشمال روسيا.

الرائد: متى بدأ الصراع بين البلدين؟

الدسوقي: في نظرة سريعة إلى ثلاثينيات القرن العشرين نشهد نشأة الاتحاد السوفييتي وبروز روسيا السوفييتية كقوة كبرى، كما نشهد محاولات الغرب المحمومة لعزلها كخصم إيديولوجي بدأ يشكل تهديداً لمصالح الدول الاستعمارية القديمة، بريطانيا وفرنسا وأميركا التي كانت تعيش أزمة اقتصادية خانقة، حتى إن تشيمبرلين رئيس وزراء بريطانيا وداليديه رئيس فرنسا آنذاك حاولا كسب صداقة هتلر وإقناعه بتوجيه ماكينته الحربية نحو الاتحاد السوفييتي بقصد إسقاطه، وما كان من هتلر غير ارتكاب خطيئته الإستراتيجية بمهاجمة الاتحاد السوفييتي ما أدى إلى اندحار الفاشية على أبواب موسكو وصولاً إلى دفنها في برلين.

هذه التطورات أرّخت لانتهاء مرحلة وبداية مرحلة تاريخية جديدة اتسمت بكسر الاتحاد السوفييتي لعزلته وتربعه على قمة العالم كإحدى القوتين الأعظم حيث تم رسم خريطة ما بعد الحرب في قمة يالطا 1945 بين كل من ستالين وتشرشل وروزفلت، ومن ثم انقسم العالم بعدها إلى معسكرين متنافسين المعسكر الاشتراكي ويضم شرق أوروبا وحركات التحرر في العالم والمعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانا حلفاء ضد قوات المحور في الحرب العالمية، إلا أنهما دخلا في صراع من نوع جديد في السنوات التالية للحرب، ومن هنا بدا مصطلح “الحرب الباردة” في البروز، وهو يشير إلى وجود حرب غير معلنة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بلغ أشد مراحله في نوفمبر 1991 في أعقاب تفكك الاتحاد وانهيار حكم الأحزاب الشيوعية، حيث سعى كلا البلدين الى فرض سيطرتها على ما تيسر لها من دول العالم، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وليس عسكريا.

ولم تقتصر الحرب الباردة على الأجواء السوفيتية الأميركية فحسب، بل انتشرت خارج أوروبا إلى كل مكان في العالم، حيث سعت الولايات المتحدة إلى انتهاج سياسات المحاصرة للشيوعية، ومحاولة استئصالها، وحشد الحلفاء خاصة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط، وفي المقابل دعم الاتحاد السوفيتي الحركات الشيوعية حول العالم خاصة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية ودول جنوب شرق آسيا.

 

الرائد: تميزت المرحلة التي سبقت بوتين هدوءاً حذراً بين الجانبين الأميركي والروسي، ثم ما لبث أن عاد الصراع مشتعلا عقب تولي بوتين الرئاسة في روسيا.. ما تعليقك؟

الدسوقي: بالفعل كان الصراع هادئاً، لكنه تجدد عقب مجيء فلاديمير بوتين، فالمسألة متصلة بالجغرافيا السياسية والمصالح بعيداً عن أي تأويلات أخرى، فالولايات المتحدة بعد انهيار وتفككك الاتحاد السوفييتي في 1991م سعت لإحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط لبناء ما أطلق عليه (الشرق الأوسط الجديد) فبدأت بالهجوم على أفغانستان في 2001 ثم العراق في نيسان 2003، وقد رأي بوتين أن المخطط الأميركي الجديد في الشرق الأوسط يهدد روسيا ومصالحها في المنطقة، ليبدأ سياسة الدفاع عن النفس من خلال احتضان الشعوب المتضررة من التقدم الأميركي في المنطقة، من خلال إحداث بعض التحالفات اللوجستية والاقتصادية لتحجيم الانتشار الأميركي في المنطقة، وليس التحالف الروسي الصيني الأخير منا ببعيد.

 

الرائد: هل ترى أن الأزمة السورية والأوكرانية تمثل حلقة جديدة من حلقات الصراع بين أميركا وروسيا؟

الدسوقي: بالفعل فموقف روسيا من الأزمة السورية بوقوفها إلى جوار إيران ضد الإطاحة بنظام الأسد هو خير دليل على استمرار الحرب الباردة حتى ألان، فالقضية لا تهم روسيا في المقام الأول قدر ما يهمها مواجهة التوغل الأميركي في المنطقة، وبما إن نظام الأسد ضد أميركا فما على روسيا سوى دعمه والوقوف بجواره.

كذلك الموقف من الأزمة الأوكرانية، حيث تسعى أميركا إلى جذب أوكرانيا إلى المعسكر الغربي، وهو ما رفضته روسيا، حيث ساعدها – روسيا –  أن شرق أوكرانيا في أغلبه من الروس، إضافة إلى الولاء التام لشبه جزيرة القرم لروسيا، وهو ما دفع البرلمان الروسي إلى التصويت على انضمام شبه الجزيرة إلى روسيا.

 

الرائد: هل هناك من صور أخرى للصراع بين موسكو وواشنطن؟

الدسوقي: بالفعل فاستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن هو في حد ذاته أبلغ صور الحرب الباردة، حيث يسعى كل طرف إلى الدفاع عما يخصه وعن الأنظمة التي تخدم سياساته في المنطقة، مما يجعل من مجلس الأمن ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، كذلك مشروعات التوسع الفكري والثقافي تحت مسمى الحريات وحقوق الإنسان، تعد من الصور الحية لاستمرار هذه الحرب لاسيما وأن كل طرف يسعى للسيطرة على عقل وفكر شعوب الطرف الأخر.

 

الرائد: هل تتوقع استمرار ما يسمى بالحرب الباردة بين البلدين؟

الدسوقي: بالفعل ستستمر ولن تنتهي، طالما أن هناك قوتين فلن تنتهي الحرب الباردة، قد تأخذ أشكالا مختلفة، لكنها ستظل في نهاية المطاف سعي كل طرف للحصول على أكبر المكاسب ومحاولة إجهاض مساعي الطرف الأخر نحو التقدم، فالمستقبل غامض اقتصادياً وهو ما يجعل الصراع على مناطق النفوذ الاقتصادي على أشده، مما يجبر كلا الطرفين على توظيف كل ما لديهم من إمكانيات وقوة للحصول على النصيب الأكبر من المغانم، إضافةً إلى كونها قضية أمن قومي.

 

الرائد: ما هي انعكاسات هذه الحرب على المنطقة العربية؟

الدسوقي: المنطقة العربية ليست بعيدة عن ساحة الصراع، بل هي في كثير من المواقف محور الصراع نفسه، وكما قلنا سابقا فإن الأزمة السورية هي تجسيد واضح لتلك الحرب، كذلك أيضا سحب المملكة العربية السعودية والبحرين والامارات لسفرائهم من دولة قطر باعتبارها الممثل الأميركي في المنطقة، خير مثال على تحول هذا الثلاثي (السعودية – البحرين – الإمارات) إلى المعسكر الروسي بطريقة لا إرادية، لكنها لعبة المصالح التي تستبيح أي شيء.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى