الرائد نت
A7lashare-5fe07572e1

قصة قصيرة .. رائحة المسك

 

لم يكن يماثل أياً منا لا بضآلة جسده ولا بإصراره ولا بهدوءه الفطري، بدأ ذلك منذ زمناً نسيته، لعله كان منذ الأزل، فذات مرة فقدنا إحساسنا وترتيبنا المنطقي للأيام.

أربعة جدران بكماء تغلفنا مصبوغة بالقطران، وكوة صغيرة عند حافة سقف تصلنا بعالم خارجي ينساب بمعاناة من خلال قضبانها حزمة ضوء خافتة لم تكن لتساعدنا لتبين ملامح الوقت على نحو يقيني.

الأمر الوحيد الذي كنا ندركه أصوات بكاءنا وتوسلاتنا لجلادينا، ولكنه الوحيد الذي لم يكن يشبهنا، عيناه عصيتان على البكاء، ولسانه لا يلهج بالتوسل والصراخ، بل بعبارات الأنفة وحدها، كان يثير جنونهم وغيظهم فيعذبونه لساعات مضاعفة، سألته مرة: (وما هي تهمتك..؟)، يضحك..

– لم أعد أذكرها جيداً، شيء يشبه برغبتي بالعيش حراً كالطيور.

– عنادك يثير رغبتهم بإيذائك.

– على أحدنا أن يحطم كبرياؤهم.

كان على نحو الثلاثين، ذا وجه أسمر “حنطي”، وعينان حادتان، وشعر فاحم شديد السواد، بلحية وشارب خفيفتين، وابتسامة عجيبة تعلو ثغره دوماً، رغم مأساته اليومية، التي كان يحدثني عنها بكثير من اللامبالاة.

حدثني عن نفسه، كان يتيم الأب، والمعيل الوحيد لأمه وثلاثة أخوات، كان ذلك قبل اعتقاله، ولكنه يردد مبتسماً، وهو يتذكرهم: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).

في بعض الليالي كان يفاجئني بذلكم الكم من المعلومات التاريخية التي حفظها عن ظهر قلب، وحينما سألته:-

– كيف كنت تجد الوقت ليقرأ في خضم حياته المزدحمة بالعمل)، فيجيبني: (كنت أسرق من ساعات الليالي بمكتبه والدي الراحل)، ويضيف ضاحكاً:-

– فتفاجئني أمي بقدح شاي قائلة بعتاب “إنما خلق الليل للنوم” فأقول لها مبتسماً: (هذه الورقة فقط).

ذات مرة وفي صبيحة مبكرة صحوت من نومي وجدته يرمي بفتات “الصمون” بطريق سرب من النمل كان قد بنى مملكته بجوارنا، قال لي: (أنظر كم هم رائعون)، تأملته كانت عيناه طفوليتان على نحو لم أشعر بها سابقاً، واكتشفت يومها كم كنت أحبه، فقلت: (مخلوقات محظوظة تعيش حريتها بملكوت الخالق).

وكما العادة ففي كل مرة كان يرجع مزهواً بنياشين كدماته الزرقاء، حتى أنتشر خبره بجميع أرجاء الزنزانات وصارت حكايته يتداولها السجناء كرمز للتحدي، وفي واحدة من تلك الليالي القاسية، جاءوا وعيونهم تنضح حقداً:-

– الليلة سنصفي حسابنا معك.

استشعرنا بأنها كانت مختلفة، فأحطناه بدرع من أجسادنا وأحطته أنا بصدري، جمدني ألم خلف رأسي، حينما صحوت غارقاً بدمائي لم أجده.

انتظرنا عودته طويلاً دون جدوى، فكل ما تبقى منه رائحة مسك كان يعبق أثرها من المكان الذي ضم جسده الهزيل ذات مرة.

في البداية ظننا أن الرائحة ستنتهي خلال ساعات ولكن عبق المسك استمر يمضى معنا يوم تلو آخر دونما نهاية وكأنه يشعرنا بوجوده الأزلي بيننا، وكأنه لم يغادرنا أبداً، بل أن هذا المسك كان يخلق فينا شعوراً من التحدي حتى لأكثر من تلك الأوقات التي ضمتنا معاً قبل رحيله الأخير.

كانت الرائحة من قوة أثرها أن أثارت إنتباه السجانين وشكوكهم، فأخذوا على عاتقهم غسل زنزانتنا على نحو يومي، وبمطهرات شديدة التركيز، حتى أعياهم المسك وهو يتدفق هذه المرة من جميع أرجاء المعتقل باتساعه.

وبتنا نشاهد عيونهم مرتعبة ومشدوهة وهم ينسحبون منهزمين أمام عدو لا يملكون حيلة لدحره أبداً، فرائحة المسك كانت هذه المرة تتدفق وتنتشر عبر الهواء بعيداً جداً.. حتى آخر الزنازين.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى