الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانإطلالة فكرية … مع جذور الديمقراطية
ihi1111gjhv

إطلالة فكرية … مع جذور الديمقراطية

 

تهفو النفوس وتذعن القلوب عندما يذكر مصطلح الديمقراطية!!، ذلك المصطلح ذو المواصفات السحرية -والذي يظن- أنه الحل لكثير من قضايانا المتأزمة ومشكلاتنا المستعصية، كيف لا!! وفي ظل الديمقراطية سيتحرر الناس ويعم العدل والأنصاف وتنطلق قوى المجتمع لتبني نفسها بفاعلية دون قيد ولا رقيب، إلاّ القانون الذي سيطبق على الجميع حكاما ومحكومين!!!.

وفي غمرة هذه الأحلام والأماني يسطع نجم رجال ويغيب آخرون، وتسيطر أحزاب وتتلاشى أخرى، لكن أين هي الديمقراطية التي طالما تمنيناها كلمات وخطب وقصائد وشعارات.

ينبغي دراسة المسألة من جذورها، لكي نعرف موقع الأمة من هذا المصطلح قبولاً ورفضاً، وإمكانية التطبيق وسط ما تعيشه الأمة من مشكلات وتناقضات.

إن مبدأ الشورى في الحياة الإسلامية من حيث تولية ولي الأمر، ومن حيث اتخاذ القرارات المصيرية وغير المصيرية التي تهم مجموع الأمة ومصالحها الآنية والمستقبلية، قد أسس أولا من خلال القرآن في آيات مثل قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، سورة الشورى: الآية (38)، و( وشاورهم في الأمر)، سورة آل عمران: الآية (159)، كما مارست السنة النبوية المبدأ عملياً، حيث كان تأسيس مبدأ الشورى في حياة الأمة كإرادة الهية ومقصد شرعي، يحفظ الأمة من الانحراف وسيادة الاستبداد إذا ما غاب هذا المبدأ من الحياة الإسلامية، وهو ما مارسه النبي  (صلى الله عليه وسلم)  مع أصحابه الكرام في الكليات والتفصيلات، بل حتى عندما تكون نتائج الشورى سلبية كما أشار شباب المدينة على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالخروج إلى المشركين في أحد ووقعت هزيمة المسلمين، جاء التأكيد ونزلت آية (وشاورهم في الأمر) في ثنايا الحديث عن هذا الغزوة، مبيّناً أهميتها رغم ما حدث، فالشورى مقدسة من حيث المبدأ والفكرة، لكن قد تعتريها الأخطاء على مستوى الممارسة، وهذا لا يقلل من شأنها البتة، مهما حدث من نتائج وتداعيات من ورائها.

وسار على هذا النهج الخلفاء الراشدون، حتى جاء عهد الملك العضوض مع بداية عهد الدولة الأموية، وأصبح الحكم وراثياً وبقي سائداً -في الغالب- في معظم الممالك والدول والسلطنات الإسلامية حتى سقوط الخلافة عام 1924م على يد أتاتورك.

إن الحقبة التي عاشها المسلمون تحت الملك العضوض والحكم الوراثي وغياب مبدأ الشورى الذي إرادته الشريعة معلماً من معالم الحياة الإسلامية في الحكم والإدارة كانت طويلة ذات قرون متطاولة، رسخت قيما جديدة وصنعت مبادئ غريبة على منطق الشرع، وأنشأت حياة تبتعد كثيراً أو قليلاً عما يريده الإسلام لها على وجه الحقيقة، مما ساعد على نشوء ظواهر عديدة نذكر منها:

1ـ أصبح الفرد المسلم في حالة أزمة ثقة مع الحاكم أو الإمام آو السلطان – سمه ما شئت – بحيث قل التلاحم بين الراعي والرعية إلاّ بما يجعل الحياة الإسلامية ماضية في طريقها، ووفق مقتضيات الضرورة، لان الحاكم في الأغلب أخذها بالشوكة والغلبة رغماً عن إرادة الأمة، حتى بدأ يتكون تصور جديد عن علاقة الحاكم بالمحكوم، فمن علامات الزهد والورع البعد عن السلطان، والممدوح هو من رفض عطايا الأمراء، وبدأ الإنفصال شيئاً فشيئاً بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم، خلا عهود استثنائية كانت تنهض بها الأمة متلاحمة مع حكامها ومحققة النصر والعزة لمجموعها كما في عهد عمر بن عبد العزيز ونور الدين زنكي وغيرهم ممن شهد القاصي والداني باستقامتهم وعموم نفعهم لأمتهم.

2ـ نشأ فقه جديد في ساحة الفتوى امتاز بأنه فقه لتبرير الحال، وإقرار الأمر الواقع مستنداً على المصلحة والمفسدة في علاقة الحاكم بالمحكوم، وخصوصاً بعد ما عانت الأمة من ثورات وتمردات وعدم استقرار سياسي واجتماعي جعلت الفقهاء – بعضهم – أو الكثير منهم يسارع إلى سد ذرائع الفتن والفساد في قضية تغيير المنكر والخروج على الحاكم، لاستئناف حياة إسلامية أكثر أمناً واستقراراً مع تحمل المفاسد الناتجة من سلوك هؤلاء الحكام، وبالطبع فإن هذا الفقه السياسي الشرعي لم يكن على هذه الوتيرة على طول الخط، فلم يكن يتوانى الفقهاء عن إصدار الفتاوى القاضية بعزل هذا الحاكم أو ذاك أو الخروج عليه أو عدم القتال تحت رايته، إذا ما رأوا إن مصلحة الأمة المسلمة تقتضي ذلك.

3ـ بسبب غياب الاختيار الحر للحكام وولاة الأمور أصبحت الشخصية المسلمة سلبية في كثير من الأحيان، فهي تحمل عن حاكميها جملة من الانطباعات التي يغذيها الحب والبغض أكثر ما يغذيها معرفة حقيقة الأمر عن شخص الحاكم وعلاقة مصلحة الأمة بوجوده أو عدم وجوده، فما دام الحاكم سيخلف ولده أو من يشاء فلم التعب إذن في إيجاد البدائل أو البحث عن الأصلح من أفراد الأمة؟ ولم النقاش في المزايا التي تؤهل هذا الفرد أو ذاك لتسلم ولاية الأمر؟!!.

كل ذلك جعل الأمر يبقى يناقش على مستوى التنظير في المؤسسات الدينية بأنواعها وعصورها وفي أقلام العلماء في بطون الكتب، وهذا بحد ذاته من حفظ الله لهذا الدين، فان المسلمين مهما انحرفوا على مستوى الممارسة فسيظل المثال والمبدأ والفكرة خالدة خلود هذا الدين حتى يأذن الله لها بالنفاذ في الأرض.

4ـ إنه مما خفّف الوطأة على عموم رعايا الدول الإسلامية مع وجود الحكم الوراثي وغير الشورى، إن حكام هذه الدول كانوا يملكون الحد الأدنى من الحفاظ على كثير من مصالح الأمة، وهو ما يميزهم عن حكام عصرنا وتضييعهم لمصالح الأمة، واستعدادهم إذا ما تعرضت أنظمتهم للخطر أن يحرقوا الأخضر واليابس، أو يبقوا متحكمين في مصير هذه الأمة المنكوبة.

نخلص من هذا العرض إن مبدأ الشورى في الحياة الإسلامية لم يكن حاضراً بعد عهد الراشدين على مستوى اختيار ممثلي الأمة وعلى مستوى القرارات المصيرية حتى سقوط الخلافة.

وأما من حيث النشأة في بلاد الغرب، فإن الغرب قد مر بعدة مراحل حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن، ففكرة الديمقراطية كانت موجودة في الحضارة الرومانية إلاّ إن الطابع الغالب في الحكم بقي مرهوناً بسيطرة الحكام المطلقة، حتى جاءت قرون بدأت فيها فكرة الانقلاب على سلطة الملوك المطلقة، وسلطة المؤسسات الدينية المقترنة بها على الدوام.

واستمرت الجهود لقرون وهي تحاول نشر الفكرة وتمديد الخطاب مشفوعة بتضحيات جسام من علماء وعوام مناصرين ومؤمنين بمبدأ الثورة على دكتاتورية الحاكم، ورافق ذلك حروب جاهلية طاحنة حتى تبلورت الفكرة مع بدايات العصر الحديث والحركة الاستعمارية الحديثة.

لقد كان ملخص الفكرة أنه لم يعد الحكم المطلق مقبولاً من رعايا الدولة، ولا بد من إيجاد أنشطة وفعاليات تضمن الاختيار الحر من الشعوب لحكامها وممثليها، وكانت الفكرة تعبر عن حاجة شعبية وتراكمية من عصور الظلم والإقطاع والتخلف والقرون المظلمة التي عاشها الغرب وأوربا خاصة.

ولم تكن مسألة مصدر السلطات مطروحة آنذاك، فقد كان الدين ما يزال المصدر المهم والأساسي في حكم الشعب، حتى قامت الثورة الفرنسية فبلورت فكرة الديمقراطية إلى حكم الشعب بالشعب واستبعد الدين نهائياً، لتبدأ مرحلة الديمقراطية المستندة على الأحكام المدنية الصرفة، وقد نجحت هذه الفكرة – عندهم – نجاحاً نسبياً باهراً على مستوى الممارسة، وتكوين الدولة المعاصرة بشكلها الحالي المعروف.

وساعد على ذلك غياب الند التقليدي للحضارة الغربية وهي الحضارة الإسلامية التي كانت تعاني من حالة العقم والجفاف في المنجز الإنساني والحضاري.

من هنا بدأت المشكلة أمة مجزأة منكوبة محكومة بأطر وفعاليات الدولة العلمانية، وتعاني من حالة الانبهار بالآخر المستعمر والمتطور سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى