الرائد نت
tfdfg

زاد الدعاة .. طبيعة الجماهير-3-

 

مر معنا سبعة من الملامح في الحلقتين الماضيتين من طبيعة الجماهير، ونريد في هذه الحلقة أن نختم بثلاثة ملامح أخرى من طبيعة الجماهير وهي:

7ـ إن الجماهير تكره القوي لكنها تحترمه وتهابه، ولأن صفاء المسلم عموماً وحركات الإصلاح خصوصاً، يجعلها أقرب للزهد والظهور بمظهر الوداعة واللين والسلم، وهذا قد يكون مطلوباً في أوقات الهدوء والسلم والتربية، أما في العمل السياسي والإصلاحي والجهادي فإن اللين تهاون، والوداعة ضعف، والسلم جبن، والحقوق تحتاج إلى قوة لانتزاعها يوم لا تنفع الدبلوماسية والحوار، ولقد تجرأت الجماهير على عثمان  (رضي الله عنه) يوم إن فقد شدة عمر (رضي الله عنه)، وان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

لكن هذا بشرط أن لا تنحرف هذه القوة لتصبح طغياناً على الأمة، وأن يبقى أهل الرأي هم المتحكمون في استعمالها، إذ كثيراً ما تغري القوة بالطغيان وهذا من طبيعة الأشياء.

8ـ إن الجماهير شهداء الله في الأرض، وفي الحديث (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي الله (صلى الله عليه وسلم) وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت، فقال: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)، رواه البخاري.

إن الله يجري المحامد والمناقب على السنة الجماهير يوم أن يعدل حكامها وقادتها، كما يجري المثالب على ألسنتها يوم يظلمها حكامها ولا يسوسها بالعدل قادتها.

لكني هنا أريد أن أضع قيداً على هذا المفهوم، وهو أن هذه الشهادة الأرضية بالخير أو بالشر أو بالمدح أو بالذم إنما نعترف بها على وجه التمام يوم أن تخرج من مجتمع تحكمه قيم العدل والمساواة والوفاء وحب البذل التضحية، ولا تسود فيه قيم الأنانية والحقد والجحود كما هو مجتمع الصحابة حين اثنوا أو جرّحوا الجنازتين أمام النبي (عليه الصلاة والسلام).

أما إذا فقدت هذه القيم من المجتمع ورمي أهل الإصلاح بكل التهم والدواهي فإن عليهم أن لا يصابوا بالإحباط واليأس، وأن لا تقل ثقتهم بصلاحهم وتقواهم ومنهجهم، لأن سيادة قيم الأنانية والظلم وحب الذات والغرور والمصلحية في مجتمع ما وفي ظرف تاريخي ما، تمنع وتحجب أفراد هذا المجتمع أن يقولوا خيراً فيمن يقدم الخير، إلا فيمن يقدم مصلحة خاصة لهذا وذاك، وقد تجد الجحود حتى من هذا، فقد جحدوا الخالق سبحانه أفلا يجحدون فضلي وفضلك؟.

ونموذج مجتمعات الأنبياء نوح وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى (عليهم السلام) مثال على ذلك.

فالجحود يصبح هو الأصل في مثل هكذا مجتمع، حتى تتهيأ له التوعية والتربية والنخبة الصالحة التي تقوده، ويصبح الواجب الشرعي وفقه المرحلة هو القيام بمهمة الإصلاح ونشر القيم والفضيلة لا انتظار الشكر من قوم جاحدين.

(إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، سورة الدهر: الآية (9).

9ـ رضا الناس غاية لا تدرك، فلا نتوقع أن ترضى الجماهير عن احد أبداً، لأن تقاطع المصالح وتناقضها بين البشر طبيعة من طبائع الحياة، فإن المنهج الإسلامي يقود الحياة إلى الخير، وليس من مهامه إرضاء من في هذه الحياة، من كل أصحاب المطالب والمطامع والرغائب، فعلى المسلم أن يعرف الحق ويعمل به وليعترض المعترضون بما شاؤوا وكيف شاؤوا.

 

إن نصف الناس أعداء لمن            ولي الأحكام هذا إن عدل

 

وقصة الوالد وولده والحمار قصة طريفة فيها العبر، إذ كان الأب راكبا حمارا فمر على قوم وبجنبه ابنه يمشي، فقالوا: ما أقسى قلب هذا الوالد يركب ويمشي ابنه!! فنزل واركب ولده، فمر على قوم آخرين فقالوا: ما أسوأ ما رباه يركب ويمشي أبوه!! فركبا جميعا فمر على قوم آخرين فقالوا: يالقسوة قلوبهم كيف يؤذون الحمار!! فنزلا بجنب الحمار فمر على قوم آخرين فقالوا: هذان لا عقل لهما بجنبهما حمار وهما يمشيان!! هذا هو حال الجماهير ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد أضاف بعض الأصحاب فقال: لم يبق إلاّ أن يحملا الحمار على كتفيهما !!!.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى