الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدنبض العراققصة قصيرة … كي لا تبق الأرض بغير رجال
falah irak

قصة قصيرة … كي لا تبق الأرض بغير رجال

 

قبيل الفجر استشعر جلبة بمنزله تسلل بخطوات وجلة تسمر بمكانه للمفاجئة، كان يبحث بين رفوف المكتبة المتخمة عن عنواناً ضائع، أبتسم على نحو لا أرادي: (متى عدت..؟)، وقبل ان ينتظر جوابه احتضنه بشده.

– ألم يحضر معك أخوك؟.

– هو في الطريق.

– هيا رافقني..أمك وشقيقاتك بشوق لرؤيتك.

وضع يده اليمنى على رقبته، جفل فقد غاصت بثقب رصاصة أمريكية ارتجف لكفه الملطخة بالدماء، كان ولده الأصغر يقف عند الباب وأضواء مشعة تتخلل جسده النحيف..استفاق على صوتها.

– الساعة العاشرة.

كانت زوجته الخمسينية هي من كان يقف بمدخل الغرفة، سألها متعباً:-

– لم تركتني حتى الساعة؟.

– عمل المزرعة أستنفذك أمس.

– بالله عليك..ومن غيري سيقوم بأعبائها.

– وأين البنات.

– سبقنك للمزرعة.

كان يجلس معها عند مأدبة إفطاره المتأخر ولا يكاد يتناول شيئاً فالرؤيا الحزينة كانت ماثلة أمامه، قطع صوتها تأملاته:-

– البارحة زاراني بمنامي وقبلاني من هنا.

– الراحلون لا تعيدهم الأحلام.

– لا زالت أشعر بحرارة قبلتيهما على خدي.

– لا بأس عليكِ

ارتدى على عجالة دشداشة العمل، وربط طرفها بحزامه وعدل شماغه، ووضع المجرفة على كتفه، كان لا يزال يتمتع بقوة جيدة رغم تجاوزه الستين.

بناته الثلاث كن منشغلات بنثر حبوب القمح بين مسامات الأرض المحروثة حديثاً، فيما انشغل بشق وترميم الساقية الرئيسة، رآهما تحت وهج الشمس يتمازحان ويضحكان، بدت الرؤيا مكررة الفتى الأكبر يمارس دوره الأبوي.

تخلص من طيفهما المستحيل بحركة من رأسه ومتوغلاً بعمق الساقية الترابية، لكنهما انبثقا مجدداً، الفتى الكبير يتأبط كتب دراسته المتوسطة، وشقيقه يضع على ظهره حقيبة جلد مدرسية.

ما تلبث تختفي صورتهما فيتأمل السماء الزرقاء البعيدة، فيرتسم محياهما ضاحكاً، يستمر بعمله محاولاً طردهما ومن دون جدوى يظهران أمامه، كان “خالد” قد أختط شاربه للتو، ويبحث بتوتر بين صفوف مكتبته عن عنوان مفقود، فيسأله  مستغرباً:-

– كيف تعرف إن احدها مفقوداً وسط هذا الكم الهائل.

– هم كأولادي.

– ها..ها..ألا تزوجت أولاً.

حينما انتهى من شق الساقية، توجه لغرفة المضخة قرب النهر، في الطريق يتدفقا مجدداً من ثقوب النسيان..كان يوم تخرج “خالد” ضابط بنجمة وحيدة على كتفه، وشقيقه الأصغر أكمل شهادته الإعدادية، كان يتأملهما بفخر، فقال لزوجته وسط دمعة انسلت من عينيه:-

– أعظم ما في حياتي أولادي وأرضي.

– وأنا ما أكون..

فضحك وقد أخذته على حين غرة…

– أنتِ الجذور لحياتي.

عند المضخة انساب صوت تحاورهما، كان يسأل شقيقه الكبير: “إن لم تدعني أرافقك فسأقاضيك يوم يبعثون”، كان قلبه يتقطع، فقال: “بني..دعه يرافقك وكن حريصاً عليه”.

لدى عودة الابن البكر كان يحمل الخبر المؤلم في جعبته، كانت شظية من بقايا مركبة أمريكية اخترقت قلبه مباشرة ربت على كتفه ولده مواسياً:-

–  إذا لم ندخرهم لهذا اليوم فمتى أذن.

بعد شهر وثلاثة أيام زاره غرباء يحملون بقايا أبنه البكر، ملابس مغطاة بدمائه، وصورة جوال أخيرة تحمل جلال رحيله..فاجأته زوجته عند المضخة وعيناه غارقتان بالدموع:-

– لم تبكي يا أبا خالد..مازال لديك الأرض.

– وما نفعها بغير رجال.

– ستتزوج وتنجب مولوداً سيكون اسمه “خالد”.

– ومن تقبلني بخريف عمري.

قالت مبتسمة ومؤنبة:-

– حقاً !! لا تعرف أم أولادك جيداً.

بعد عام ونصف جاءته ببشرى الولد الموعود، وعندما رفعت أمامه مهده الأبيض، قالت باكية: (سأصنع منه رجلاً كما أشقائه).

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى