الرائد نت
مجلة الرائدملف العددأزمة الأنبار.. الفرصة السانحة
rtyhjhgf

أزمة الأنبار.. الفرصة السانحة

 

ربما يستغرب كثير من القرّاء للعنوان الذي أخترت، إلاّ أن الأزمة الحقيقية للحكومة المركزيّة اليوم في الأنبار قد تشكّل فرصة حقيقية لحلحلة الواقع العراقي المعقد.

فمنذ الخطوة الأولى لإقتحام ساحة العزة والكرامة ورفع خيمها من قبل القوّات الحكومية، والحكومة المركزية تعاني الأمرين في إنهاء الواقع الذي خلقته هناك، رغم حديث المراقبين عن أن هدف الحكومة من تحركها في الأنبار كان التأثير على إحتمالية إجراء الانتخابات النيابيّة.

إلاّ أن ردة الفعل كانت أكبر مما تصوّرت حكومة المركز، وباتت صور القادة العسكريين وهم يستبدلون بزاتهم العسكرية بالدشاديش والعجلات العسكرية وهي تحترق أمر عادي جداً، وهو ما قد يفرض واقعاً جديداً في التعاطي بين المحافظات المنتفضة وحكومة المركز.. فهل تنجح المحافظات المنتفضة في إستثمار هذه الفرصة؟ أم ستضيعها كما ضاعت سالفاتها وقت الاحتلال الأميركي للعراق؟

الحكومة وصناعة الأزمة

تصاعدت حدة الخطاب الحكومي بحق ساحة اعتصام الرمادي، وبات الكلام كله عن ساحة العزة والكرامة وما تضمّه من (إرهابيّين) وأسلحة، أما عدد (الإرهابيّين) الذين تضمهم الساحة فهو بين الثلاثين والخمسين، “ولابد على العشائر من رفع الخيم وإلاّ”، وهذا كلام رئيس الحكومة نوري المالكي.

مفاوضات تستمر، وأنباء عن موافقة العشائر على نقل ساحة الاعتصام إلى مكان آخر، لإنهاء الحجة الحكومية لإقتحام الساحة، إلاّ أن ساعات الصباح حملت معها نبأً سيّئاً بالنسبة لأهالي الأنبار وللمحافظات المنتفضة,

فمع ساعات الفجر الأولى ليوم 27/12 من العام الماضي، أقتحمت قوة حكومية منزل النائب أحمد العلواني، وأعتقلته بعد أن قتلت أخويه وإحدى نساء المنزل، والحجة كانت أن العلواني حاول التصدي لقوة حكومية كانت قادمة لإعتقال شقيقه المتهم بالإرهاب، ساعات وصور عن إهانة العلواني تظهر إلى العلن، والتحالف الشيعي يقول أنه “لا حصانة للعلواني طالما أعتدى  على القوة الأمنية التي حاولت إعتقال أخيه”.

الأنبار تتنفّس الصعداء، والترقب واليأس يدب في النفوس، إذ كما هو معروف أن العلواني كان أحد أعمدة الحراك الشعبي في العراق، وأحد الشخصيات التي ساندت إعتصام الرمادي منذ إنطلاقته، فيما كانت الشخصيات المنتمية لتحالف المالكي والفضائيات المرتبطة بالحكومة تطبّل للخبر وتعده إنتصاراً لها في مواجهة (الإرهاب).

وفي ساعة متأخرة من ذات اليوم، خرج شيوخ عشائر الأنبار وأعلنوا إتفاقهم مع وزير الدفاع سعدون الدليمي على رفع الخيم من قبل العشائر، مقابل إطلاق سراح النائب العلواني، وذهبت العشائر أبعد من هذا عندما أعلنت مساندتها للعملية الأمنية الحكومية في الأنبار لتعقّب (الإرهابيّين).

إلاّ أن ساعات الصباح محت كلام الليل، إذ باشرت الحكومة باقتحام الساحة ورفع خيمها، بعد أن أعلن المالكي أنه غير معني بأي عملية تفاوضية، وأن وزير الدفاع يمثل نفسه ولايمثل الحكومة في أي عملية تفاوضية.

ويبدو أن المالكي لم يكن متصوراً لأي رد فعل، أو أنه لم يتوقعه بالشكل الذي جاء عليه، وهنا كانت الصدمة.

العشائر تنتفض

ردة فعل كبيرة من قبل العشائر الأنبارية، لاسيما في الرمادي والفلوجة، ففي الرمادي مثلاُ دخل أبناء العشائر في مواجهة مع القوات الحكومية ضمن المناطق (الملعب، الصوفية، وشارع عشرين)، ليخرج الجيش إلى أطراف المدينة.

أما الفلوجة، فكانت خالية من الجيش خلال دقائق، وبات الطريق السريع الرابط بينها وبين الرمادي تحت سيطرة أبناء العشائر، شيئاً فشيئاً أمتد القتال إلى مناطق أخرى في الأنبار، في البو فراج والبو بالي والكرمة، وبات من يسلّمون أنفسهم من عناصر القوات الحكومية إلى أبناء العشائر بالعشرات.

حدة المواجهات دفعت الكثير من التشكيلات العسكرية في المحافظات الجنوبية لإعلان رفضها نقل أبنائهم إلى الأنبار للقتال هناك، وهذا ما صرّح به باقر جبر صولاغ لوكالة شفق نيوز، عندما أكّد أن مناشدات عشائرية من محافظات واسط وميسان والبصرة وصلت إلى المجلس الأعلى لسحب الأفواج المنتمية لتلك المحافظات من الأنبار.

هنا بات الأمر يضيق على الحكومة، ونقل مصدر من داخل إجتماع لمجلس الوزراء كيف كانت الأوضاع مشتعلة خلال الجلسة التي أنتهت بطرد المالكي للوزراء ولكن بطريقة مختلفة، واصفاً حكومته بـ”الخرابة”.

هنا أضطرت الحكومة لفتح باب التطوّع أمام عناصر الميليشيات للقتال في الأنبار، وبالمقابل يمنح المتطوّع راتب مقدم لشهر كامل مع تدريب لمدة (4) أيام، بعدها يدفع للقتال في الأنبار.

إقتحام من نوع آخر

فجأة، وبينما كان الجميع موجهاً أنظاره صوب بغداد وقراراتها بخصوص الأحداث في الأنبار، والتي يبدو أنها خرجت من سيطرتها.

دخلت مجاميع مسلحة من عناصر ما يسمى (داعش)، إلى داخل مدينتي الرمادي والفلوجة، ليصبح هناك تساؤل واحد كبير (كيف عاد هؤلاء المسلحون من داخل الصحراء بعد أن كانوا هدفاً للحكومة المركزية في عمليتها الأمنيّة طيلة أيام عمليتها الأمنية -كما كانت تدعي -؟).

المجاميع بتسليح عالي وتجهيز حديث، الأمر الذي أثار التساؤل عن مصدر تمويلها والهدف من قدومها في هذه اللحظة.

إختلطت الأوراق في المشهد الأنباري، وبدأ المسلحون الغرباء بتنفيذ مخطط تدمير مؤسسات الحكومة المحلية في الأنبار، وأول خطواتهم كانت إقتحام السجن في الفلوجة وإطلاق سراح السجناء، بعدها كانت خطوة حرق مراكز الشرطة، والبحث عن عناصرها.

هنا غاب عن المشهد أي موظف حكومي خوفاً على حياته، وبات الناس في قلق..

المسلحون الغرباء كان لهم هدف واحد كما يبدو، منع عودة الحياة إلى طبيعتها في المدن الأنبارية، إذ كان الأهالي يطمحون أنه وبعد إخراج الجيش يتم التنسيق بينهم وبين حكومتهم المحليّة على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، لتعاود المؤسسات عملها شرط عدم إقتحام الجيش لمدن المحافظة.

إلاّ أن هذا لم يتحقّق، وكأنهم يريدون أن يوجدوا المبرر للحكومة للتحشيد العسكري لإقتحام مدن المحافظة، وهذا ما حصل، فمجلس الأمن والولايات المتحدة وروسيا الإتحادية، أعلنت دعمها المباشر لحكومة المالكي في عمليتها الأمنية في الأنبار.

وشيئاً فشيئاً بدأت خطوات التفوّق الذي حققه أبناء العشائر في التراجع، مع وجود هؤلاء المسلحين، فانسحب الكثير منهم في الفلوجة، ولتعاود القوات الحكومية فرض سيطرتها على الشارع العام القريب من القضاء.

فيما ظلّت الرمادي والفلوجة والبو بالي والبو فراج والكرطان أهدافاً سهلة أمام مدفعية القوات الحكومية التي جعلت من كل تلك المدن هدفاً لها.

ومع القصف كان للحكومة حصارها الخانق على الأهالي، وأكدت خلية طوارئ الأنبار أن حياة الناس باتت في خطر في ظل منع وصول المساعدات الإغاثية إليها.

فيما أكدت وزارة الهجرة والمهجرين العراقيّة أن هناك أكثر من (140) ألف عراقي نزحوا بسبب العملية الأمنية التي تشنها الحكومة بمدينتي الفلوجة والرمادي من محافظة الأنبار.

القتال من أجل القتال؟؟!!

تيار كبير من علماء ومفكري المحافظات المنتفضة وبالرغم من إكباره لنجاح أبناء العشائر في إظهار شجاعتهم وجرأتهم وبطولتهم، إلاّ أنه عاب عليهم غياب المشروع.

فنائب رئيس المجمع الفقهي العراقي ورئيس مجلس علماء العراق الشيخ د.محمود عبد العزيز العاني أكد أنه ليس ضد العمل العسكري شرط أن يكون ضمن مشروع متكامل وليس عمل إنفعالي.

ويتابع الشيخ العاني: “لتجنب المخاطر المحيطة بالجمهور في المحافظات المنتفضة، لابد من وجود مشروع متكامل لأهل السنة، ليكونوا هم أصحاب المبادرة في السلم والحرب وليسوا ردود أفعال”.

الشيخ العاني يرى أن للحرب الحالية مخاطرها كذلك، كونها “تجري داخل مدننا، وتستنزف القلة الباقية من السلاح وأنها تشهد تحشيداً كبيراً للقوات بمواجهة مدن صغيرة، كالفلوجة مثلاً”.

بمقابل هذا التخوّف من الحرب الدائرة، هناك تخوّف من الطرف الثالث، الذي يترقب الأحداث محاولاً تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون أن يقدم ولو (1%) من الخسائر، هذا الطرف بات يستغل آلته الإعلامية في التأثير على الأحداث وإظهار شخصيات طارئة على الساحة تنتمي له ملمعاً إياها لتحقيق ما يصبو إليه.

فهو يعرض الأحداث بطريقة مختلفة، ويحاول التمويه على المواجهة جاعلاً إياها بين الشعب العراقي وحكومة خائنة، إلاّ أن الواقع معاكس لذلك تماماً، فالتحشيد الطائفي لمواجهة أبناء المحافظات المنتفضة منذ بداية حملة الحكومة العسكرية في الأنبار كان واضحاُ للغابة.

فالحملة العسكرية أطلقت من كربلاء ووصفت بأنها “حرب بين أتباع يزيد وأتباع الحسين”، على لسان رئيس الحكومة العراقيّة، فهل هناك طائفية أكثر من هذا..

إذاً الحديث اليوم عن مشروع الخلاص للمحافظات المنتفضة، وكيف يمكن تحويل محنة الأنبار إلى منحة بعد الدفعة المعنوية الكبيرة التي منحتها لأبناء المحافظات المنتفضة بعد أن بلغ بهم اليأس أعلى مدياته، فهل هذا ممكن في هذا الوقت؟؟ وهل المحافظات المنتفضة قادرة على بلورة مشروع للخلاص مما هم فيه، كل ذلك كان مجالاً للحوار مع المفكّر الإسلامي د. عبد السلام عبد الله..

———————————————————–

د. عبد السلام عبد الله: من الممكن بناء مشروع للمحافظات المنتفضة شرط أن يكون واقعياً

الرائد: في ظل هذه الظروف، هل تعتقدون أنه من الصحيح الإعلان عن مشاريع تخصّ مصير فئة واسعة من الجمهور  كالجمهور السني؟

عبد الله: في بداية الحوار أرجو التنبيه على أن طريقة التفكير هي التي تحدد غالبا نوع الأجوبة، فإذا ما فكرنا بطريقة أنه ينبغي أن نحدد الأهداف الطموحة التي نريد الوصول إليها ومن خلالها إلى بر الأمان إنطلاقاً من المعطيات الحاضرة، فإن ذلك يختلف عن طريقة التفكير بأسلوب التعاطي اليومي مع الأحداث الجارية أو كما سميناها المعطيات الحاضرة وهي طريقة التعامل بردات الفعل والدفاع لا بطريقة التخطيط والإقدام.

ومن هنا أقول أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وأن الأرض الإسلامية أرض واحدة وهو مطمح كل مسلم، لكن قانون المصالح والمفاسد وشروط الواقع المفروض على المستضعف تفرض توجهات قد لا يريدها من حيث الأصل، لكنها توجهات الضرورة المفروضة وهي أصل شرعي بحد ذاته، وهو حال السنة في العراق فقد اجتمعت جملة من القوى الداخلية والإقليمية والدولية على إقصائهم وتهميشهم بعد أن حملوا أوزار من أساء ولم يكن منهم على الحقيقة.

فالتفكير بالمشاريع الخاصة ليس دافعه العامل الطائفي بقدر ما هو رفع الظلم واستحصال الحقوق، مع الإقرار بأن السنة كانوا قد ساهموا أصلا في تهميش أنفسهم بناء على مشاريع وحسابات خاطئة، وهذا الإقرار طبعا لا يعطي المبرر لغيرهم فيما فعلوه، لكن هو يعطي السنة قوة في استئناف مشاريع جديدة أكثر نضجا.

الرائد: كيف يمكن أن تتبلور قيادة في ظل هذا الشد والجذب الذي يعيشه أبناء المحافظات المنتفضة؟

عبد الله: لا يخفى على المتتبع للشأن السني أن إحدى أكبر أزماتهم هو في تعدد القيادات وفقدان القواسم المشتركة، مما أنتج واقعا فقد فيه الجمهور السني الثقة بهذه القيادات، وصعب على القيادات الجديدة مهما امتلكت من الإخلاص وحداثة وتميز طرحها لمشروعها أن تقنع هذا الجمهور الجريح.

وهذا لا يعفي المسؤولية الضخمة على أبناء هذه المحافظات فهي ما زالت مأسورة لنمط من التفكير قديم ومؤثر في تفاعلها مع ما هو مطروح، فالإقليم هو النجاة لأهل السنة عند بعض وهو خيانة وعمالة وتقسيم عند آخرين، والإقليم لا هذا ولا ذاك، فهو صيغة اقرها الدستور تضمن التعايش ووحدة البلاد ويقرر ذلك أهل الحل والعقد من علماء شرعيين وسياسيين مخلصين.

عموما نحن نعاني من القيادات المؤقتة ذات النفس القصير، وأرى أننا بحاجة إلى قيادات دينية وسياسية يكون لها مشروع بناء متدرج وطويل، يحمل عبئه خطوط قيادية متعددة، لا قيادة الصف الأول الملهمة والمبتورة عمن تحتها والمرتبطة بنجاح مشروع تكتيكي مرحلي كالانتخابات مثلا، وليس لها عمق شبابي ولا اجتماعي، ولا انجاز تراكمي.

الرائد: هل من الممكن بناء مشروع مستقل لجمهور المحافظات المنتفضة في ظل السيناريوهات والمخططات الخارجية؟؟

عبد الله: هذا أكيد، بشرط أن يكون المشروع واقعياً وطموحاً في آن واحد وليس مثاليا خياليا، وهنا أريد أن أنبه على أمرين:

الأول: إن أفضل مقاومة للخارج هو في إصلاح الداخل، وهو ما قرره ربنا حين قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)، سورة الرعد: الآية (11).

إن كثيرا من المخططات والمؤامرات الخارجية لا تنجح بسبب قوتها وإحكام صنعها بقدر ما هو الانكشاف الحاصل عند الجبهة الداخلية من تمزق وتناحر وانتهازية والبعد عن منهج الله وغير ذلك من الأسباب.

الثاني: إن النصر في أي مشروع خاضع لإذن الله تعالى وحكمته، وما على النخبة إلا أن يكون لها مشروع مؤصل ومقنع ولها من الأخذ بالأسباب نصيب كاف، فإن النصر والنجاح هو الحليف لا شك، ولكم استطاعت مجموعات صغيرة لا تكاد تذكر من حيث العدد لكن كان لها نوعها وفقهها أن تقيم الدول بل والإمبراطوريات، فكل يوم تشرق الشمس فيه تشرق الفرص في نواحيه، والقوة والضعف حالتان متقلبتان كالليل والنهار لا يدومان ولا يثبتان.

الرائد: كيف يمكن لأي مجموعة اليوم التعامل مع جمهور المحافظات المنتفضة، والذي أظهرت الأحداث الأخيرة أنه جمهور عاطفي .. شكّاك.. نزق؟

عبد الله: قد يكون من عوامل النجاح الكبرى هو استعداد الجمهور – أي جمهور – لتقبل وتبني المطروح من المشاريع، والقيادة الراشدة والمشروع المتميز لا تكفيان دون جمهور واع ومضح وواثق.

ولا نريد أن ندخل في جدلية من يصنع من؟ القائد يصنع الجمهور أو الجمهور يصنع القائد ويفرزه، فالقول الفصل في ذلك أن هذا الأمر خاضع لنسبية الزمان والمكان والأحداث والأشخاص.

ولكن ثبت بالدليل التاريخي والواقعي أن القيادة المخلصة المتجردة الواعية المضحية الواثقة بالنصر والمؤمنة بقضيتها هي الأساس المتين لكل ما سيتلوه، فعنها سينبثق المشروع المنقذ والواعي دون تخاذل ولا تهور ، وصفات هذه القيادة هي السحر الذي يشد الجماهير لكي تقبل هذه القيادة من حيث المشاريع والشخوص.

لكن كل ذلك لا يجعلنا ننسى أن الجماهير تمر في فترة سبات وتضييع للفرص وغفلات تاريخية تحتاج معها إلى البلاء والتمحيص وطول الزمان، كما قص لنا الله تعالى عن بني إسرائيل(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، سورة المائدة: الآية (26).

لا أقول أن المثل ينطبق هنا تماما، وأن الأربعين مقصودة، ولكن القصد أن الزمن جزء من العلاج وأن الشعوب في فترة ما تحب التجربة ولو كانت قاتلة.

الرائد: هل من الأفضل لأصحاب العمائم الانصراف في هذه المرحلة لإصلاح المجتمع، والسعي لخلق حالة من التدافع الاجتماعي تكون قادرة على تبنّي أي مشروع مستقبلي بدلاً من التعامل مع جمهور (غريب) عنهم وقد لا يكنّ التقدير لهم ولما يطرحونه من مبادرات في هذا السياق؟

عبد الله: هذا السؤال فيه تأكيد لما قلت من أننا بحاجة إلى بناء متدرج ومتين، وأصحاب العمائم هم المؤهل الأول بلا نزاع للعب هذا الدور، أما السياسيون والمربون وزعماء العشائر وغيرهم فإن دورهم دور الإسناد والتدعيم.

إن طرح المشاريع دون وجود جمهور متفهم أشبه بعدم وجود وديان تستوعب السيول الجارفة التي تدمر الحرث والنسل، وإن توزيع الأدوار ضروري في هذه المرحلة بل وفي كل مرحلة.

الرائد: من وجهة نظرك.. ما هي الأساسيات التي يستلزمها أي مشروع مصيري للمحافظات المنتفضة في هذه المرحلة..؟

عبد الله: لا أريد أن أدخل في دائرة التفاصيل هنا وإنا سأقترح بعضا من الأساسيات التي تريد، لكن أسّ هذه الأساسيات هو الإخلاص والوعي ثم الإخلاص والوعي ثم الإخلاص والوعي، فإذا ما توفرا استطعنا ببذل الوسع والاجتهاد الجماعي تأمين كل العناصر المطلوبة لنجاح المشروع.

نعم من الأساسيات: الدعم السياسي والاقليمي والدولي، والمال، والنفوذ، والقوة، وقناعة الرموز الشرعية والعشائرية والسياسية، وغيرها من الأساسيات، لكن التجربة تقول أنه ربما قد توفرت هذه جميعها ذات يوم لكن غياب الإخلاص أو الوعي كان هو الثغرة التي أوتينا منها.

كلمة أخيرة أقولها بل قالها القرآن توضح لنا المنهج في هداية وإصلاح الأمم المضطهدة(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، سورة الأعراف: الآية (128)، فالاستعانة بالله على مشاق الطريق، والصبر على المنهج والأذى، والإعتقاد بأن الله هو الوارث وبيده كل شيء، والتقوى والحذر من فتن السراء والضراء كفيلة بأن تكون لنا العاقبة.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى