الرائد نت
2rm9nwl

قصة قصيرة … مذكرات مفقود

 

أنا مفقود..عبارة أعيد ترديدها مراراً وتكراراً لأثبت لذاتي المشوّشة أن تتقبل هذه الحقيقة المجردة، وتدفعني رغبة ما لتدوين مذكراتي تماماً كما يفعل أولئك المفقودون في الحكايات الخيالية.

ورغم جنون الفكرة كوني لا املك مستلزمات الكتابة التقليدية، ولكن لأننا بتنا نعيش في عالم وهمي فليكن الفراغ ورقتي والقلم هو ذهني.

نعم هو أمر غريب ولكن الأشد غرابة منه بأني مفقود في وطني..كيف حدث ذلك..؟ ولماذا..؟ ومتى..؟..هذه أمور أحاول معرفتها دون جدوى.

هنالك بقايا من آثار في راسي، ومضات لحياة عشتها ذات مرة.. شجرة كبيرة تزين باحة منزل صغير أتذكرني وأنا أتسلق عليها في طفولتي، وأربط بين أغصانها أرجوحة أسافر معها إلى آخر العالم.

منظر عش لعصفور مسكين يتخذ من أغصان شجرتنا وكراً لصغارها ومحاولتي العبثية القاسية بتدمير بيوتها حتى نهتني عن ذلك إمرأة عظيمة كانت هي أمي.

صورة أخرى تتهادى أمامي وإن غشّاها الكثير من غبار الزمن..قطة صغيرة  رمادية تجوب منازل الحي الشعبي كأنها فرد مشترك لجميع سكان الحي الشعبي، كنا أطفالاً مشاغبين نطاردها من منزل لآخر.

حينما كنا صغاراً جمعنا نقوداً واشترينا كرة أصلية تشبه تلك التي نشاهدها تجري بين أقدام اللاعبين في التلفاز، أقمنا بطولات عديدة وسط أزقتنا الضيقة، حتى أودى مسمار بحياتها.

شتاء مدينتي موحل حتى بعد سقوط حبات مطر قليلة، أما صيف مدينتي فمن شدة سخونته تلاقي الحشرات حتفها.

جدران دارنا في الساحة الخلفية وقد ملأته بخربشات طفولتي، أتساءل إن كان ثمة آثار منها باقية، لو كنت هنالك هذه الساعة للثمتها ورويتها من دموعي.

هي..مازلت أستنشق عبيرها ورائحة خبزها ينتشر بجميع أرجاء الحي، ومعاناة جارة تشكو لها خدمة أب وخمسة أولاد ولكم تمنت لو رزقت ببنت تعينها، وتضحك أمي فقد تذكرت أخرى تتمنى مولود ذكر خوفاً من شرك امرأة تعطيه ولي العهد.

ترى أمازالت هذه النسوة قرب منزلنا أم رحلن كما هجرتنا كل الأشياء الجميلة عن الوطن بعد أن استوطنته خفافيش ظلام تمارس طقوس قتل همجي على الهوية.

هو..أمازال يكتب بمذكراته ومطالعاته الروتينية لصحف الصباح، يتطلع نحوي وتجاعيد وجهه الخمسيني تزيده وقاراً، ويسألني متى سأتزوج، وأجيبه ضاحكاً: (لم الاستعجال لتصبح جداً عجوزاً بشكل رسمي).

شقيقي الأصغر مازلت أذكر شكواك من دروسك وشتائمك لمؤسسي المدارس المشؤومين.

إبنة عمي وخطيبتي “رنا” لكم حلمت بدار تجمعني وأولادي المفترضين وإياكِ..أمازلتم تذكروني، ام أن مشاغل الحياة وصخبها جعلكم تنسوني.

لكنها جميعاً تنتهي عند لحظة سجلت توقفاً لحياتي، كنت يومها بريع عمري ساقوني لمعتقل كئيب دون أن أدرك ما كانت تهمتي، مضت خمسة أعوام هزلت وخارت وجنتي، وكسر أثنان من أسناني، أول الأمر قالوا لي أعترف..قلت صادقاً:-

– وبمَ..!؟.

أنهالوا علي بأسماء غريبة وتهم خيالية أتمعن خائباً في فك رموزها وأغمي عليّ من فرط التعذيب.

في يومي التالي طلبوا التوقيع على ورقة كانت الكدمات تملأ وجهي وشفتي السفلى متورمة متدلية، أحسست بهزلية الأشياء فتركت توقيعي بلا مبالاة وعدت لمنفاي حتى اعتدته كقدر أبدي.

ولكني ما عدت قادراً على الاحتمال، لعلها القضبان هي الأخرى ملتني..ثمة جلبة وضوء ينبعث من كوة زنزانتي، وصوت:-

– أنت.. هيا..تعال.

قال السجان مضيفاً:-

– يبدو أن مدير السجن ملّ رؤية وجهك العابس لذا قرر الأفراج عنك اليوم.

– ماذا..؟.

– أفراج.

بقي الشاب مشدوهاً غير مصدق لما يسمع، لكن سجانه سرعان ما أطلق ضحكة سخرية طويلة.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى