الرائد نت
kjg

إطلالة فكرية .. قيمة الحرية

 

الحرية قيمة من القيم الإسلامية قبل أن تكون قيمة من أعلى القيم الإنسانية، فالإسلام أراد للإنسان – أي انسان- أن يكون حراً بمعنى الكلمة، فلا يقف أمام حرية رأيه وفعله أحد، إلاّإذا أخلّ في استعمال حريته في التجاوز على حقوق ومصالح الآخرين من بني الإنسان.

وهذه الحرية في القول والفعل هي الكفيل بإطلاق طاقات الإنسان الإبداعية في الفكر والممارسة، ليعمر الارض ويبني الحياة، وهي التي تمنح الإنسان إحساسه بذاته في هذا العالم المسخّر له، لتنطلق قواه بعيداً عن أي قيد يحد من حريته.

وقد تعدت هذه الحرية في الشرع الحنيف إلى الحيوان، فليس لنا أي حق في سجن أو تقييد أي حيوان من دون مبرر شرعي، من حصول أذى، أو تحصيل نفع من سجنه وتقييده.

ويتصدر مفهوم الحرية اليوم قائمة القيم التي ينادي بها العالم المعاصر، الحرية في السياسة والتدين والاقتصاد والثقافة والتعبير والحريات الشخصية بانواعها، وقد نشأت الليبرالية قبل أكثر من قرنين كمذهب يسود الآن بأطيافه كثيراً من دول العالم المتقدم، وتحاول جاهدة من خلاله العولمة التمدد في ديارنا، حيث تتبنى منهجيات وأنظمة ومرجعيات وشخصيات تدعو سراً أو جهراً لهذا المذهب الذي اشتق أساساً من كلمة (liberty) أي الحرية.

والحقيقة ليس القصد الحديث عن نشأة الحرية كمفهوم، وتبيين ضرورتها واهميتها، وكيف أصّل الإسلام لها، وأكد عليها كمقصد من مقاصد الشريعة العامة، ولكننا نريد في هذه الاطلالة تسجيل بعض الخواطر حول هذا المفهوم:

1ـ إن الحرية كمقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية لم تأخذ مساحتها اللائقة بها كمفهوم شرعي، أراده الإسلام أن يتحقق من خلال جملة من التشريعات في العتق والتدين والزواج والتملك وغيرها من التصرفات الإنسانية.

ونقصد من عدم أخذ المساحة الكافية واللائقة من حيث أن المجتمع الإسلامي في عهد النبوة والخلافة الراشدة لم تكن هناك حاجة أصلاً للتاكيد على هذا المفهوم، فالحرية سمة من سمات هذا المجتمع وخصيصة من خصائصه، وحتى في عهود الاستبداد السياسي، فإن المجتمع الإسلامي لم يفقد سوى نوع واحد من أنواع الحريات العامة، وهي الحرية السياسية في اختيار الحاكم وسيادة الشورى وغيرها، لكن المجتمع من حيث الجملة بقي يتمتع بأنواع الحريات الاخرى.

أما في عهد الدولة العلمانية الملكية والجمهورية، والتي ما تنفك تتشدق بشعارات الثورة والتحرر وحقوق الإنسان، فإنها استعبدت الناس حتى في تفاصيل حياتهم، فبعد قتل الحرية السياسية قتلت الحريات في الاقتصاد والتملك والتعبير والتربية والتعليم والإعلام مما جعل المجتمع الإسلامي يفقد أغلب خصوصياته في مجال تمتعه بالحريات العامة، وجعل أفراد هذا المجتمع يفقدون الثقة بانفسهم مع شعور بالذل والهوان واليأس، جعلت الانسان المسلم الحر يحس بالامتهان والغربة، وأما السواد الأعظم فهو لا يدري من حقوقه وحرياته المستلبة سوى تأمين البيت والزوجة والطعام والشراب، فقد تشكلت نفسيته عبر الاستعباد الطويل على تقبل ما هو موجود، واليأس من تغييره نحو الأفضل، وإلاّ فسينتظره الاقصاء أو الموت.

2ـ إن الحرية لا بد أن تأتي نتاج الحراك الداخلي للمجتمعات، وقد تصالحت وتحاورت وتنازلت فانتجت وعياً كان من مظاهره انتعاش الحرية العامة، المحمية من سلطة مدنية قادرة ومريدة بنفس الوقت أن يتقدم هذا المجتمع ويزدهر، لذا فإن المجتمعات التي جاءتها الحرية بغتة – كما حصل في العراق بعد الاحتلال- لم تكن حرية مطلوبة ومقننة ومدروسة ونتاج لحركة الأمة، وإنما كانت حالة انفلات صنعها الراعي الذي لم يراع في أهله إلاًّ ولا ذمة، وفوضى خلقها إحتلال ظالم أطلق لهذه الحرية العنان حتى افقدها معناها، فكانت حالة من العبثية في مجتمع عانى من التسلط والدكتاتورية عقوداً طويلة، فأصبح النموذج العراقي ماثلاً أمام أنظار الشعوب العربية والإسلامية مما جعلها تفقد الحماسة في جهادها ومطالبتها بحرياتها العامة، ورسخت الانظمة هذا المفهوم لصالحها، بل بدأت هذه الشعوب تفقد ثقتها بنفسها في أنها تستحق هذ الحرية أصلاً، وأنها في هذه اللحظة مؤهلة للتمتع بها.

والحقيقة ينبغي أن لا تستحكم هذه العقدة في النفوس، بل من الضروري معالجتها، فمع الدواعي القوية والمبررات المعقولة لهذا التصور للشعوب عن نفسها، إلاّ أن خطة الإصلاح الشاملة -إن وجدت – سوف تغيّر الكثير إن شاء الله، ويجعلنا نستفيد ونوقن أن الإصلاح ينبغي أن يكون أولاً من الداخل، والحرية كثمرة من ثمرات الإصلاح تأتي نتيجة كفاح طويل ومرير وجهود مدروسة متطاولة من لدن نخبة تؤمن بالحرية عقيدةً وسلوكاً يشارك في ذلك التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية، لتطفو على السطح قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر، وكل مجتمع لا يمر بهذا التدرج الطبيعي فانه سيصاب بصدمة الحرية التي قد تجعله يكفر بها ويمقتها، وهذا بالضبط ما حصل في المجتمع العراقي، والذي يخشى عليه إذا ما فشلت النخبة السياسية والدينية والفكرية في قيادته وتوجيهه وتدريبه على قيم الحرية تدريباً واعياً متدرجاً، فإنه سيعاني من حالة الارتداد إلى الوراء، والحنين إلى الدكتاتورية والتسلط كأهون الشرور – كما يظن- وفي النهاية إفراز المستبد الجديد.

ولست متشائماً، ولكن ثقافة الاستبداد الطويل والاقصاء والتهميش التي عانتها الأمة ولا تزال تعانيها، حتى في مستوى النخبة والمجموعات العراقية المختلفة وإن بدرجات متفاوتة، مما يجعلنا نظن أن هذه المجموعات عليها أن تتخلص هي من هذه الثقافة، قبل أن نأمل في حصول تغيير حقيقي يطال المجتمع برمته.

إن علينا أن نحذر أشد الحذر من الانسياق خلف النموذج الغربي في ممارسته لمفهوم الحرية، وأن يكون المثل والانموذج الذي ينبغي ان يحتذى، بل علينا أن نرسّخ الاستقلال المفاهيمي والفكري والسلوكي ونحن نحاول نشر قيم الحرية والعدالة والمساواة والحوار والتسامح وتقبل الآخر، فالتأصيل الشرعي في الكتاب والسنة، والممارسة النبوية والراشدية، وتفعيل الاجتهاد الفكري والفقهي المعاصر كافية أشد الكفاية كنموذج راق ورائع.

وهذا التحذير ضروري في زمن العولمة، والغرب يحاول تسويق مفهومه ونموذجه للحرية في السياسة والاقتصاد والثقافة والدين والسلوك.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى