الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانمع ورثة الأنبياء .. غياب فقه المصالح والمفاسد
346px-Mosque

مع ورثة الأنبياء .. غياب فقه المصالح والمفاسد

 

 

إن الشارع الحكيم أراد أن يرتقي بالبشرية بهذا الدين، وحياة هذه البشرية مملوءة بتناقضات المصالح والمفاسد التي تتعارض فيها المصالح أو المفاسد، والضابط لذلك كما هو معلوم للدارسين هو تقديم أعلى المصلحتين ودفع أكبر المفسدتين، إذ ترك الحياة والعباد بدون ضابط منقصة وعبث يتنزه عنها الشارع الحكيم وشرعه القويم.

وقد قرر كل ذلك الأصوليون وطبّقه الفقهاء ولا حاجة للتقرير وضرب المثل فهي موجودة في مظانها، إلاّأن ما حدث من سيادة ثقافة التقليد وتصنيف المتون والحواشي والتقريرات التي لا أدلة فيها، ولا ذكر فيها للمقاصد والمصالح والحكم هو الذي جعل فقه المصالح والمفاسد تخبو شعلته شيئاً فشيئاً، وبدأ التعامل مع نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة والمجتهدين على أنها قوالب جامدة لا روح فيها ولا مصلحة تجلب أو مفسدة تندفع، مما عرقل مسيرة هذا النوع من الفقه، ومن ثم ظهرت آثاره على الدعاة والحركة الإسلامية والتكييف الفقهي لأنشطتها كي تسير على وعي وبصيرة.

ولا ينبغي هنا أن ننسى النتاجات الفذة المتأخرة في تأصيل هذا الفقه، فما كتبه الجويني والباقلاني والغزالي وإبن عبد السلام والقرافي وإبن تيمية وإبن القيم والشاطبي عظيم ومبدع، لكن الوتيرة لم تدم على ذلك، حتى أعاد الحياة للفكرة محمد عبده ورشيد رضا والطاهر بن عاشور وآخرون.

والحال الآن قريب من الجيد على مستوى الكتابات المعاصرة على المستوى الأكاديمي وغير الأكاديمي في تأصيل مقاصد الشريعة وفقه الموازنات وفقه المصالح والمفاسد، إلاّأن الضعف واضح في الجانب العملي والتطبيقي.

إن فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد يحتاج إلى ملكة في أمرين:

الأول: في فهم نصوص الشرع ومعرفة مقاصدها وما تجلبه من مصالح وما تدفعه من مفاسد.

الثاني: في فقه الواقع فهماً دقيقاً على حقيقته من غير مبالغة ولا تهوين، ليتمكن من تقدير المصالح والمفاسد على ما هي عليه وترجيح بعضها على بعض عند التعارض.

لذا فإن هذا الفقه يحتاج إلى التسلّح بأدوات الاجتهاد الشرعي، مع أدوات فهم الواقع من علوم إنسانية واجتماعية، مع تجربة وحنكة وخبرة مشهود لها، وتستنفذ طاقتها ووسعها في توصيفه.

والحقيقة المرّة أن الساحة الإسلامية ليس فيها الكم والنوع الكافي والقادر على ممارسة عملية الموازنات المصلحية التي تحتاجها حركة السياسة والدعوة والحياة عامة.

يضاف إلى ذلك عامل النسبية في الموضوع، فتقدير المصالح والمفاسد أمر نسبي يختلف باختلاف الأحداث والزمان والمكان والأشخاص والملابسات.

فرب مصلحة في زمان ومكان معين تصبح مفسدة في زمان ومكان آخرين، وهذا يحتاج إلى عقلية تستطيع إدراك النسبية بين الاطراف، وعقلية الأبيض والأسود في فقه الموازنات مرفوضة مع أنها العقلية السائدة.

إن القدرات الذهنية التي تتمتع بالفهم النسبي والشفافية الروحية لا بد أن تكون عالية جداً، وهنا تكمن الندرة والشحة، إذ لم تتمكن المؤسسات الشرعية الأكاديمية وغير الأكاديمية من إنتاج هذه العقلية لأسباب عدة طالما كررنا ذكرها، وأبرزها: ضعف الملكات الفكرية والفقهية بسبب الزهد الحاصل بالتوجه إليها ممن عرف بالفطنة والذكاء، مع ضعف التوجه أصلاً إلى هذا النوع من الفقه.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى