الرائد نت
E0582428-0985-445A-8FC8-90B2AE606428_mw1024_n_s

زاد الدعاة … طبيعة الجماهير

 

معرفة العوامل المؤثرة والمشكّلة لطبيعة الجماهير، وخصائص هذه الطبيعة من حيث الانفعالات والمواقف وردود الأفعال من الأمور الشائكة والشاقة.

وما توصل اليه علم الاجتماع عموماً، والاجتماع الديني والسياسي خصوصاً، من نتائج ونظريات ما زالت نسبيّة وليست قوانين مطلقة، نستطيع القطع من خلالها بالتعرف على هذه الطبيعة، لكن هذا لايمنع من استثمار كل ما هو دقيق وصحيح وأثبتته التجربة، ولا يخالف ثابتاً من ثوابت الشريعة.

إني والله اشفق على نفسي من الخوض في هذا الموضوع الشائك، لأني أعرف ما يتطلبه من الأدوات المعرفية والتجريبية، وأنا إلى الكثير منها فقير، لكن حسبي أن أسجل بعض الملامح التي تراود خاطري، وترسخت بها معرفتي، وأثبتتها لي تجربتي.

إن ما ساذكره ليس بحثاً في علم الاجتماع، ولا دراسة متخصصة في طبيعة الجماهير ومناهج تفكيرها وسلوكها.

إننا نحاول هنا أن نتلمس جملة من الملامح والخصائص التي تتصف بها طبيعة هذه الجماهير، لنستفيد منها كأداة فاعلة من أدوات العمل والتغيير، ليستفيد منها الدعاة والساسة والفقهاء وأرباب الإصلاح وهم يخوضون حركة النهضة والبناء، ويديرون صراع الحق مع الباطل، حيث الجماهير هي العمود الفقري لهذه المعركة وهذا الصراع.

أذكر من هذه الملامح:

1ـ إنها طبيعة عاطفية، بمعنى أن العواطف والحماسات هي التي تهيجها بالدرجة الأولى، إذ لا تحكّم الجماهير عقولها دائماً، ولهذا نرى جملة من الزعماء -إلاّ من برّ وصدق- يعزفون على هذا الوتر.

وليس تهييج العواطف والحماسات شراً بحد ذاته، ولكن إستغلالها للتغطية على عقول الجماهير ومداركهم ووعيهم، هو الجريمة التي ينبغي عدم الإنجرار ورائها.

لذا كان على دعاة الإصلاح أن لا ييأسوا حين يرون حماسة فوق المعتاد، وعاطفة فوق المألوف عند الجماهير، وما عليهم آنذاك إلاّ أن ينحنوا للعاصفة حتى تمر دون تنازل عن المبادئ ومنطق العقل، ودون مصادمة لا ضرورة منها مع الجماهير، لتبدأ عملية التوعية من جديد، ولنعلم أن الأفكار هي التي تبقى عند الجماهير، والعواطف ما هي في الغالب إلاّإنفعالات وقتية ما تلبث أن تزول.

2ـ إنها طبيعة ظاهرية، فالجماهير مهما بلغت مستوياتها فإن لها حداً لن تعدوه من الفهم والوعي والاستيعاب لما يجري.

وقد يعترض بأن هذه الجماهير فيهم من هو عالي التعليم من طبيب ومهندس واستاذ جامعي فكيف نتهمهم بالسطحية؟.

فأقول: إن لفظ الجماهير يصدق على من هم خارج النخبة، بمعنى كل من لم يتمتع برؤية ومشروع ودور قيادي، فالرؤية والقيادة والمشروع هي التي تحدد القيادة ومن هي الجماهير، بغض النظر عن تخصصاتهم ومكانتهم العلمية.

ولأجل كل ذلك فإن علينا أن نتحدث مع الجماهير بما يعقلون، وأن لا نفعل ما لايفهمون إلاّ في حالات الضرورة التي يتعين فيها كتم الأسرار ومحدودية القرار، والتي لا توجد مصلحة بالبوح بها أمام الجماهير، لما فيها من كشف الاوراق للعدو.

إن علينا ونحن نخاطب الجماهير أن نصوغ خطاباً مفهوماً لهم، يمتزج فيه العقل بالعاطفة مع الشكل الإعلامي المقبول.

إن الجماهير من حيث العموم لن تفهم دائماً التوازنات المعقدة لسياسات الحركة الإسلامية، لكن المطلوب هو الحد الأدنى من التوعية المقنعة، ثم تحريك هذه الجماهير لتنفيذ المشروع الإسلامي.

وبسبب هذه الموازنات الشديدة التعقيد فقد أخفقت بعض الحركات الإسلامية في إقناع قواعدها، فضلاً عن عموم الجماهير، ذلك أن هذه الموازنات قائمة على المصالح والمفاسد، وفي الموازنات تصورات وتحفظات ونسبية ليس من السهولة على السواد الأعظم استيعابها، لكن ذلك لن يعفينا من استمرار المحاولة في توعية هذه الجماهير بهذه الموازنات في فكرتها العامة، مما لا يترتب عليه مفاسد أكبر.

وبعكس الحال، فإن على القيادات أن لا تنساق مع مطالب الجماهير العاطفية وغير المدروسة وغير المنضبطة أو الخيالية، مع أنها في الغالب مطالب مشروعة.

ومشروعية المطالب الجماهيرية هو الباب الذي يؤتى منه الكثير من أصحاب القرار، ظانين وبإخلاص أن مجرد المشروعية كافٍ في الشروع في تنفيذ العمل، دون الانتباه إلى تحقق الشرائط الأخرى كي يؤتي هذا العمل أو ذاك ثماره المرجوة.

إن اخطر ما يواجه الدعاة والمصلحين والسياسيين والفقهاء في باب السياسة الشرعية هو الاستجابة المتسرعة لعواطف الجماهير وظاهريتهم، والمشكلة أن كثيراً ما تكون هذه الاستجابة لا شعورية، وتلقي بظلالها المؤثر على الفتوى والقرار السياسي والتفكير الاستراتيجي بصورة عامة، وهنا مكمن الخطر، إذ أن الفتوى والقرار لا بد وأن تكون مبنية على معطيات الواقع واستشراف المآلات، وكل ذلك بعيد عن عقلية الجماهير وطرائق تفكيرها.

إن واجب القائد أن يقود لا أن يقاد، مهما كانت التضحيات، لكنها قيادة المشفق الواعي لا قيادة الناقم على الواقع، وقيادة المتواضع الذي همه الإصلاح والخدمة والتوعية لا قيادة الشامخ بأنفه على هذا الواقع، متجاهلاً متطلبات الجماهير وآمالها، وهذه من أساسيات التربية والدين.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى